Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 19Nov2017, 09:01
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي جديد شرح أصول السنة للإمام أحمدرحمه الله

جديد /تفريغ ((شرح السنة للامام احمد )) بصيغة (الورود-word)

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصل اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أمَّا بعد،
فمن باب البِر بعلماء أهل السنَّة-السلفيين-

ومن باب نشر علمهم الصافي المستمد من كتاب الله-سبحانه وتعالى-وسنَّة النبي-صلى الله عليه وسلَّم-،

يطيب أن نقدم لكم تفريغ شرح كتاب شرح اصول السنة للامام احمد بن حنبل رحمه الله

والذي قام بشرحه فضيلة الشيخ العلَّامة
المحدث ربيع بن هادي بن محمد عمير المدخلي حفظه الله

والجديد في الامر ان الشرح سيكون بصيغة (الورود-word) لان كل الشروح الموجودة


في المواقع السلفية لهذا الشرح انما هي بصيغةpdf .


وقد قام بالتفريغ **معلمات مدرسة بنات عائشة (رضي الله عنها ) بطرابلس للعلوم الشرعية
سائلين الله-عز وجل-أن يتقبل منهن صالح الأ عمال وأن يرزقهن الإخلاص في القول والعمل

انه ولي ذلك والقادر عليه
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18Jan2018, 10:59
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي

كتاب

شرح أصول السنة
للإمام أحمد بن محمد بن حنبل
رحمه الله تعالى

تأليف
فضيلة الشيخ العلامة
ربيع بن هادي عمير المدخلي
حفظه الله





مقدمة

إِنَّ الْحَمْدَ لِله ،نَحْمَدُهُ وَنَستعينه وَنَستغفره، وَنَعُوذُ باللّهِ مِنْ شرور أنْفُسِنَا ومِنْ سَيئاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِه اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وً أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أًنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:

فإنَّ العقيدة الإسلامية التي جاءت بهاالرسالات كلُّها هي بمنزلة عظيمة في الإسلام إذْ هي أصل الإسلام، وهي مقياس لصحيح الدِّين من فاسده.

ومن هنا اهتمَّ علماء الإسلام -علماء أهل السنة والجماعة- ببيان هذه العقيدة وشرحها والدعوة إليها والذبّ عنها، وألَّفُوا في ذلك مؤلفات وضمَّنوا كثيرًا منها في ثنايا المؤلفات.

ولقد أُلِّفَت في ذلك الكتب الصغيرة والكبيرة، فمن المؤلفات: " السُّنة" لعبد اللّه بن أحمد في هذاالمجال، و"السُّنة" للخلال، و"الشريعة" للاَجري،و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي، و"الإبانتين"لابن بطة، وغير ذلك من المؤلفات التي اهتمت بالعقيدة، لِعِلْم هؤلاء الأجلاء بمنزلتها ومكانتها، وأن المنحرف في شيء منها أو في أصل من أصولها على خطر، قد يكون ذلك الانحراف كفرًا، وقد يكون بدعة وضلالة،وقد يكون وقد يكون ....

من هنا يجب على طلاَّب العلم أن يهتموا بدراسة هذه العقيدة،والأصول التي قامت عليها.

ولعلكم تعلمون أيضا أنَّ البخاري قد أورد في "صحيحه" كتاب الإيمان وكتاب الاعتصام، وكتاب التوحيد، وهذه كلها عناية بالعقيدة وأصول الإسلام.

كذلك أبو داود في كتاب السُّنة من كتابه "السنن "في آخر الكتاب.

والمراد بالسنة: العقيدة والمنهج.

ومسلم كتاب الإيمان يلتقي مع هذه الكتابات في العقيدة لأهميتها.

ومن الرسائل المختصرة التي أُلِّفت لبيان العقيدة هذا الكتاب الذي ألَّفَه الإمام أحمد-رحمه الله-إمام أهل السنة والجماعة، ذلك الإمام الجبل العظيم، جبل السنة والإيمان والزهد والورع، والذي كان مقياسًا ومحنة يتميَّز به أهل الحق والسنة عن أهل البدعة والضلالة.

ولا يزال منهجه محنة إلى يومنا هذا، والأصول التي قارع عليها وسار عليها لا تزال محنة للناس إلى الاَن، فمن شذَّ عنها وَالله قد امتُحِن بأحمد ومنهجه وعقيدته.

كان أحمد محنة، الذي ينال منه يدلُّ على ضلاله وخُبثه وشره، والذي يعظِّمه ويقدِّره كان يعلم الناس أنه من أهل السُّنة ؛لأنه ما يُعظِّم ويبجل أحمد وغيره إلا من أجل هذه السنة، ولا نَبُل أحمد وتبوَّأ هذه المكانة وغيره كالشافعي ومالك والأوزاعي وغيرهم ،ما نبلوا ونبهوا في الأمة وعظموا
فيها إلا لتمسكهم بالسنة، باحترامهم لها ودعوتهم إليها وذبهم عنها.

فاعرفوا قدر السنة، واعرفوا أهلها وقدرهم والزموا غرزهم وترسموا خطاهم ،فإنهم واللّه كانوا على هدى مستقيم؛على كتاب اللّه، وعلى سنة رسول اللّه وعلى طريقة الصحابة الكرام وعلى رأسهم الخلفاءالراشدون.

فعليكم بهذا، ادرسوا هذا الكتيِّب الصغير، الذي لعلنا نمرُّ عليه بسرعة، لأن هذا نظام الدورات ما ينبغي فيها التوسع، والمرور عليها يكفينا إن شاء اللّه مع بعض الملاحظات حسب المستطاع.

وأسأل اللّه أن يُفَقِّهنا في دينه، وأن يثبتنا على صراطه المستقيم وأن يجنبنا وإياكم سبل الهوى والضلال، وأن ينفعنا بهذا الكتاب وغيره من كتب الإسلام ولا سيما كتب العقيدة ؛ عقيدة أهل السنة والجماعة.



()ص ٥-٦-٧ (
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18Jan2018, 11:02
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي

[اَلتَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصحابة والاقتداء بهم ]


قَالَ الإِْمَامُ الْلَالَكَائِي -رَحِمَه الله تَعَالىَ- : أَخْبَرَنَا عَلِي بْنَ مُحَمَّد بْنَ عَبْدُالله السُّكَّرِي ، قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد بْنِ اَلسَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اَلْوَهَّابِ [ بْن ]<١> أَبِي اَلْعَنْبَرِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ اَلْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ(٢٩٣هـ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلْمِنْقَرِيُّ اَلْبَصْرِيُّ بِ :(تِنِّيس) قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُوسُ بْنُ مَالِكٍ اَلْعَطَّار، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّه أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ حَنْبَل -رحمه الله تعالى- يَقُولُ :

أُصُولُ اَلسُّنَّةِ عِنْدَنَا : التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رسُولِ اَللَّهِ ﷺ ،وَاَلْاِقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَتَرْكُ اَلْبِدَعِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَهِيَ ضَلَالَةٌ، وَتَرْكُ اَلْخُصُومَاتِ وَالْجُلُوسِ مَعَ أَصْحَابِ اَلْأَهْوَاءِ، وَتَرْكُ اَلْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ فِي اَلدِّينِ.

الشرح

هنا ساق اللالكائي إسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله،يلتقي هذا الإسناد مع الإسناد الثاني ؛ يعني هذه أوردها اللالكائي كما رأيتم في كتابه " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " ، كما أوردها ابن أبي يعلى في "طبقاته" ،هاتان نسختان وبإسنادين مختلفين أحدهما يشد الآخر ، ويؤكد نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- إمام أهل السنة ، كذلك الشيخ الألباني وجد مخطوطة في مجموع في المكتبة الظاهرية ،ونسخها بقلمه رحمه الله ، وأظن أن هذه لها طريق آخر ، والله أعلم <٢> ، ويُرجع إلى الأسانيد يقارن بينها ،ونفعل ذلك -إن شاء الله- إذا سنحت لنا الفرصة .

هنا بعد أن ساق الإسناد إلى الإمام أحمد رحمه الله -قال: (( أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام -)) فالذي عليه أصحاب رسول الله هو المقياس للمحقين الذين يتمسكون بهذا الأصل ، وهو ما كان عليه الرسول وصحابته الكرام ،وما كان رسول الله وصحابته الكرام وخلفاؤه الراشدون إلا على الهدى والرشاد ؛ على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ؛ في عقائدهم وعبادتهم ومعاملاتهم وسائر شئونهم ، ولا سيما العقيدة ؛ فأحمد رحمه الله- يشير إلى هذا الأصل العظيم وهذه القاعدة العريضة التي لا يندُّ عنها شيء من الإسلام وخاصة العقيدة .

فيقول : (( أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ خلافًا لأهل البدع فإنما يتبعون أهواءهم ، ويعتمدون على عقولهم الفاسدة أو يزعمون أنهم يعتمدون على لغة العرب أوغيرها من القياسات الفاسدة .

أما الإمام أحمد ومن سَلَفَه من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام فإن الدِّين الذي يتمسكون به هو كتاب الله وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-،ولا سيما في مجال العقيدة ، فهم لا يخرجون عن ذلك إن شاء الله ، وفي ذلك الهدى المستقيم .

((والاقتداء بهم )) : الاقتداء بأصحاب محمد ﷺ وهم القدوة وهم الأسوة


----------------------

<١>زيادة من نسخة الشيخ الألباني ،كما هو مدون في تحقيق هذه الرسالة .

<٢> سند النسخة التي حققها الشيخ الألباني :قال الشيخ الإمام أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمد الهمداني :حدثنا الشيخ أبو عبدالله يحيى بن أبي الحسن بن البنا ،قال :أخبرنا والدي أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا، قال : أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدَّل ، قال : أخبرنا عثمان ابن أحمد بن السماك ،قال :حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الوهاب بن أبي العنبر قراءة عليه من كتابه في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وتسعين ومائتين (٢٩٣هـ )، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري البصري -ب( تنِّيس)- قال : حدثني عبدوس بن مالك العطار ،قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه يقول…





)ص ٨-٩(





ويشير إلى الحديث (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور )) <١>.

وكذلك حديث الفرقة الناجية حينما أخبر الرسول أن ((هذا الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) . قالوا : من هي ؟ قال : ((ما أنا عليه وأصحابي)) <٢>.

ثم قال أيضًا في حديث آخر : ((تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك)) <٣> .

فالصحابة تمسكوا بها ، ولم نجد فيهم هالكًا -إن شاء الله - وزاغ بعض الناس بعدهم ؛يعني : في آخر عصر الصحابة وكذلك في أوساط عهود التابعين ،ثم انتشرت البدع فبدأت فرقة الخوارج والروافض الغلاة في آخر خلافة علي رضي الله عنه ،فأرسل إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم ،ثم بعد ذلك سلُّوا السيوف على

~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•


المسلمين فقتلهم كما أمر بذلك رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وأجمع على ذلك من كان في عهده من الصحابة لم يخالفه في ذلك أحد ولم ينتطح في ذلك قرنان .

الشاهد : أن الاقتداء بالصحابة فيه النجاة ، هو سفينة النجاة ؛ لأنهم شاهدوا نزول الوحي وتلقوا فقه القرآن والسنة وتطبيق ذلك من رسول الله -عليه الصلاة والسلام - فهم قدوة ، ولهذا يقول - عليه الصلاة والسلام - :《ما أنا عليه وأصحابي 》. ويقول :《عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين 》.


[ اجتناب البدع والحذر منها ]

وكذلك من الأصول :((وترك البدع)) اجتناب البدع ؛ لأن البدع فيها الهلاك، وهذه الفرق التي وقعت في البدع توعدها رسول الله ﷺ بأنها كلها في النار؛ لأنها سلكت سبل الشياطين ،{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ }[الأنعام :١٥٣ ] خط رسول الله خطًّا مستقيمًا وقال《هذا صراط الله 》. ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا وقال :《هذه السبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه 》<١>. فمن ترك الصراط المستقيم في عقيدته وعبادته أو فقهه أو ما شاكل ذلك سلك طريقًا من هذه الطرق التي على كل واحد منها شيطان يدعو إليه .

فالحذر الحذر من البدع والضلالات، وقد حذَّر منها رسول الله - عليه الصلاة والسلام -:《من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد 》<٢>.


~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•


وحذَّر رسول الله ﷺ أيضًا من أهل البدع ، تلا قول الله -تبارك وتعالى -:{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ } [آل عمران :٧] لما تلا هذه الآية قال : 《 فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم 》<١> ،والله بيَّن أن من في قلوبهم زيغ يتقصَّدون الفتن { فَأَمَّا آلَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ آبْتِغَآءَ آلْفِتْنَةِ } فلا تجد مبتدعًا إلا وهو يتتبع المتشابهات من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله ﷺ أو من كلام علماء الإسلام ليضل الناس في ذلك بمثل هذه الشبهات التي يتتبعها ، وهذا أمر واقع في القديم والحديث فلا ترى منحرفًا عن منهج أهل السنة والجماعة إلا وهو يتبع هذه الشبهات ليقذف في قلوب الناس الفتن مع الأسف الشديد .

ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرزقنا وإياكم التمسك بكتابه وتجنب البدع والشبهات والشهوات .

((وكل بدعة فهي ضلالة )) أخذها من الحديث ، ((إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة )). فكل بدعة صغرت أو كبرت هي ضلالة لا شك ، ومن قال غير هذا فقد خالف النص الواضح الجلي ، خالف هذه الكلية التي قالها رسول الله ، وكان يخطب بها في جُلِّ خطبه أو كلها (( أما بعد ؛ فإن خير الحديث كلام الله ،وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) <٢> . هذا في " صحيح مسلم " من



----------------------


<١> سنن الترمذي :كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باب ماجاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ،حديث رقم (٢٦٧٦). وقال: حسن صحيح.
سنن أبي داود : كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ، حديث رقم (٤٦٠٧) .
سنن ابن ماجه : باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، حديث رقم (٤٣،٤٢).
قال الشيخ الألباني :صحيح .
مسند أحمد ( تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزين ) : مسند العرباض بن سارية، حديث رقم ( ١٧٠٧٩).

<٢> سنن الترمذي : كتاب الإيمان ، باب ماجاء في افتراق هذه الأمة ، حديث رقم (٢٦٤١) ،وقال : حديث مفسَّر حسن غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه . قال الشيخ الألباني : حسن .

<٣>سنن ابن ماجه : المقدمة ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، حديث رقم (٤٣) . قال الشيخ الألباني : صحيح .
مسند أحمد ( تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزين) : حديث العرباض بن سارية ، حديث رقم (١٧٠٧٧).

وأورده الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " برقم (٩٣٧).


()هامش ص١٠()


----------------------

<١> مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر ) : مسند ابن مسعود ، حديث رقم (٤١٤٣) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح .

<٢> البخاري :كتاب الصلح ،باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ،حديث رقم (٢٦٩٧). =



(هامش ص١١()

------------------------


=مسلم :كتاب الأقضية،باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور،حديث رقم (١٧١٨).

<١> البخاري : كتاب التفسير باب { مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ } ،حديث رقم (٤٥٤٧).
مسلم: كتاب العلم ،باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير منه ،حديث رقم (٢٦٦٥) .

<٢>مسلم : كتاب الجمعة ، باب تخفيف الصلاة والخطبة ، حديث رقم (٨٦٧) .





()هامش ص١٢(


************************


حديث جابر،هذه خطبة النبي -عليه الصلاة والسلام - التي كان إذا خطب بها اشتد غضبه وعلا صوته واحمر وجهه كأنه منذر جيش يقول " صبَّحكم أو مسَّاكم " - عليه الصلاة والسلام - لخطورة البدع وشدتها وخطرها على الأمة ،وهي ضلالة ومن يقول : بدعة حسنة وبدعة سيئة . هذه مخالف مُصادِم لهذه الكلية الصادرة عمن لا ينطق عن الهوى - مع الأسف الشديد -، ومنهم من يقسم البدع إليّ واجبات ومستحبات ومكروهات ومحرمات - يعني : الأحكام الخمسة -، وهذا غلط ، فإن الوجوب لا يثبت إلا بدليل ، فإذا ثبت ما يسميه بدعة بالدليل الموجب فهذه ليست بدعة ، وإذا ثبتت بالدليل الذي يفيد الاستحباب فليست ببدعة هذه سنة ، هذه سنة ليست ببدعة ، فالتقسيم هذا غلط ؛ يعني : يحمل في طياته الخطأ الواضح .

ومن أصول السنة :(( ترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء ))
يعني: لا تكثر من الجدال ،لا تخاصم إلا في الموقع الذي ترى فيه الفائدة لمن يطلبها ، إنسان يريد يناقشك ليصل إلى الحق تأكدت منه تفضل {وَجَادِلْهُم بِآلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } [النحل : ١٢٥]. أما إنسان يريد أن يغالط وأن يصارع وأن يغلب ، هذا لا تُجادله ؛ هذا من المراء المذموم ، ومن الخصومات في الدين ، الخصومات المذمومة .

فلا تخاصم ولا تمار -بارك الله فيكم - ، والحكيم يضع الأمور في مواضعها ،فمن يحتاج إلى أن تزيل عنه الشبهة فبيِّن له ، بالأخذ والرد ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا على سبيل المغالبة ؛ ولكن على سبيل بيان الحق وتوضيحه وإرشاد مثل هذا المسترشد .

(( والجلوس )) يعني : وترك والجلوس ((مع أصحاب الأهواء)) لأن مجالسة أصحاب الأهواء تؤدي إلى الزيغ في الغالب .

وكثير من الناس يغترون بما عندهم من معرفة ، وبما عندهم من الذكاء ، فيخالطون أهل البدع ويعاشرونهم فيكِلهم الله إلى أنفسهم ،فيقعون في الضلال ،هذا شئ ملموس ، وأشار إلى هذا الإمام ابن بطة رحمه الله ،قال: " عرفنا أناسًاكانوا يسبون ويلعنون أهل البدع ، فجالسوهم وعاشروهم فأصبحوا منهم ". وهذا ملموس في كل زمان ومكان ، وقد اغتر بعض الناس بأنفسهم من كبار الناس فوقعوا في هوة البدع مع الأسف الشديد ، ولا نريد أن نسمي ؛ هم معروفون عند طلاب العلم .

((والجلوس مع أصحاب الأهواء )) يعني : يحتج على ذلك { وَإَذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِىٓ حَدِيثٍ عَيْرِهِ } [الأنعام : ٦٨] <١>. فلا تقعد معهم ؛ لأن هؤلاء يخوضون في كتاب الله ، ويقولون على الله بغير علم ، فالبدع قائمة على الخوض في دين الله والخوض في كتاب الله ، ونسبة هذا الباطل إلى كتاب الله ، وإلى سنة الرسول فيجب مفارقتهم ، والرسول كما قرأنا " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " <٢>.


" يكون أناس في أمتي يأتونكم بما لم تعلموا أنتم ولا آبَاؤُكُم فإياكم وإياهم " <٣>. هذا أيضًا من النصوص المحذرة من مجالسة أهل البدع . هناك أناس أهل جهل ومخدوعون وأنت عندك علم وعندك حجة وبرهان ، تدعوهم إلى الحق وتبيِّن لهم ، فلا بأس ، أما أن تجالسهم على سبيل المخادنة والمصادقة والمحبة والعشرة وما شاكل ذلك ، فهذا خطأ يجرُّ إلى الضلال ، ويجب على العاقل أن يتجنبه .

وقد حذّر من ذلك بعض الصحابة كابن عباس وبعض أئمة التابعين ، كأيوب السختياني ، وابن سيرين - رحمهم الله -، كان الواحد منهم لا يستمع إلى صاحب بدعة ، حتى ولو عرض عليه أن يقرأ عليه حديثاً أو آية ، فيقول : لا . فيقول له : لماذا ؟ قال : إن قلبي ليس بيدي ، أخشى أن يقذف في قلبي فتنة ، فلا أستطيع أن أنتزعها .

فالسلامة لا يعدلها شئ ، فلا يعرِّضنَّ الإنسان نفسه إلى الفتنة خاصة إذا كان يعلم من نفسه ضعفًا .

-------------------


<١> وأيضًا قال تعالى : {إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ آللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِىٓ حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [ النساء : ١٤٠] .
<٢> سبق تخريجه .
<٣> مسلم : المقدمة، باب النهى عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها ، حديث رقم (٦).




)ص١٣-١٤-١٥ (
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03Feb2018, 09:02
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي

[ مَنْزِلَةُ السُّنَّة وَعَلَاقَتُهَا بِالْقُرْآنِ ]


وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا آثَارُ رَسُولِ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ اَلْقُرْآنَ، وَهِيَ دَلَائِلُ اَلْقُرْآنِ، وَلَيْسَ فِي اَلسُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا اَلْأَمْثَالُ، وَلَا تُدْرَكُ بِالْعُقُولِ وَلَا اَلْأَهْوَاءِ، إِنَّمَا هُوَ اَلِاتِّبَاعُ وَتَرْكُ اَلْهَوَى.

الشرح


▪يقول : (( والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ما هي السنة ؟ يقول : (( آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم )) ، يعني : أقواله وأفعاله وتقريراته ، عندنا كتاب وعندنا سنة .

▪ماهي السنة ؟ هي آثار الرسول ؛ يعني : أقواله وأفعاله وتقريراته -عليه الصلاة و السلام - ، وهي التي فرض الله - تبارك وتعالى- علينا إتباعها والتمسك بها .

قال : يبين منزلة السنة وعلاقتها بالقرآن: (( والسنة تفسر القرآن ، وهي دلائل القرآن )) فالسنة تبين القرآن ؛{ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ }ُ [النحل:٤٤]، { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النساء :٩٥].

▪الرد إلى الله : إلى كتاب الله ، والرد إلى الرسول : رد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته -عليه الصلاة و السلام- ؛ فهي مرد الناس ومرجعهم هي والقرآن على حد سواء ، فهي في الاحتجاج في أبواب العقائد والأحكام والحلال والحرام وسائر شئون الدين هى مرجع كالقرآن،ولهذا كان السلف إذا ورد على أحدهم سؤال في عقيدة أو غيرها يجيب بما يسبق إلى ذهنه من نص قرآني أو نص نبوي،لا تفرقة فى ذلك ،وسيأتي مثال ذلك من موقف عمر وموقف أبي بكر وموقف ابن عمر وغيرهم من الصحابة.

▪((وهى دلائل القرآن)) فتبين مجمله ،وتفصل المجمل،توضح المبهم ،وتقيِّد المطلق،وتخصِّص العام،وتبين لنا الصلاة ؛أوقاتها،أعدادها،تفاصيلها،ماذا نقرأ فيها ،ماذا نقول فى الركوع ،ماذا نقول فى السجود،كل هذا من السنة،فالله يقول:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.ويكثر من ذلك، والسنة بينت ذلك وفصَّلته؛فهى دلائل وبينات وتوضيحات لمجملات القرآن، وتخصيصات لعموماته،وتقيدات لمطلقاته،فهي ((تفسر القرآن )) كما قال هذا الإمام، ((وهى دلائل القرآن ))أيضًا كما قال رحمه الله.

▪(( وليس في السنة قياس )) يعنى ليس في دين الله قياس ،إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ،إذا جاء النص فلا قياس،لا يعارض بعقل ولا بقياس ،ولا برأي،ولا بشئ، ما يسعنا إلا التسليم { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[النساء:٦٥] ٠

▪فبعض الناس يغلو في القياس إلى درجة أن يرد به النصوص ،ويقول:هذا النص مخالف للأصول، هذا النص مخالف للقياس ،فغَلوا فى القياس !

فالإمام أحمد يشير إلى الرد على هؤلاء،وإلا فقد يوجد قياس أولى؛ولكنه- كما يقال- كالميتة يلجأ إليه في حال الضرورة؛بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر فى كتيب له سماه "معارج الوصول إلى بيان أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول "، يقول: "بالاستقراء ما من إجماع إلا وجدنا له نصا " .
كذلك ما قاست طائفة قياسًا إلا ووجد نص فى معنى ذلك القياس ؛ لكن يتفاوت

الناس في استيعاب النصوص أو مقاربة استيعاها، وقليل هم الذين استوعبوا النصوص مثل الإمام أحمد رحمه اللّه أو قارب استيعابها، فلهذا تجد عند كثير من العلماء قياسات صحيحة، هداهم اللّه إلى القياس الصحيح، ولكن لو توسع في دراسة السنة لوجد أن هناك نصًّا من الشارع؛ لأنَّ الرسول بين الأصول والفروع بحيث لم يترك شيئا { مَّا فَرَّطنا فِى الكتابِ مِن شَىْءٍ) [الأنعام:٣٨]،{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:٣] .

▪فديننا كامل لا نقص فيه، فبعض الناس يجتهد ويقيس ويكون قياسه صحيحًا ملحقًا بنص ، جامع بين علة يعني معتبرة، لكن في المسألة نص ما بلغه، ولو بلغه النص لاحتج به وترك القياس، يأتي بعده ممن درس السنة من الجوامع والمسانيد والمعاجم وإلى آخره، فيجد - ابن تيمية مثلًا - أن هذا الإجماع كان فيه نص، أجمعوا إجماعًا صحيحًا موافقًا للنصوص الشرعية؛ ولو وجدوا هذا النص لاحتجوا به، لكن فما وجدوا، فجاء من يتتبع كابن تيمية وغيره بالاستقراء، فوجد أن هناك إجماعات قامت وفيها نصوص ثابتة عن النبي صلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهناك قياسات قاسها علماء وهي قياسات صحيحة؛ولكن هناك نصوص من النبي الكريم - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم ُ-لم تصل إلى علمهم.

▪وعلى كل حال: الإمام أحمد كان شديدًا في رد القياس، وكان ينكر كثيرًا من الأمور التي يُدَّعى فيها الإجماع، وينكر على من يقول: المسألة أجمع عليها القوم. يقول: وما يدريك أنَّ هناك اختلافًا ؟ فليقل : لا أعلم خلافا في القضية الفلانية، ولا يقل: أجمعت الأمة على هذه القضية. الأحوط أن يقول: لا أعلم خلافًا؛ لأنه قد يكون هناك خلاف لم يبلغه ولم يطَّلع عليه.

▪قال: ((ولا تُضرب لها الأمثال)) إذا جاءك نصٌّ سلِّم، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَبَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويسلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [ النساء: ٦٥].

▪إذا ساق لك إنسان النص الثابت الصحيح أو الحسن،لا تقل :والله والله، يعني وتضرب الأمثال، هذا قاله أبو هريرة كما فى مقدمة ابن ماجه <١>يعنى قال : "على من أكل ما مسته النار الوضوء ". روى هذا الحديث في الأمر بالوضوء مما مسته النار،فقال له أحد الصحابة :أرأيت الحميم -يعنى الماء الساخن-أأتوضا منه ؟ قال:يا ابن أخى إذا بلغك حديث رسول الله فلا تضرب له الأمثال؛ يعني سلِّم .هذه قاعدة بارك الله فيكم.

▪قال :((ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء )) يعني: لا تدرك بالعقول ولا الأهواء تدرك بالنقل ،تريد السنة ،تريد الهدى ،تعلم ،ادرس، وإذا جاءت السنة تفقه فيها،استخدم عقلك فى فقهها 《مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ》<٢>.

▪أما بدون نصوص وبدون سنة وتريد أن تقول في دين الله، فهذا من القول على الله بغير علم، { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف :٣٣].

▪فلابد للمسلم من توقيف فى العقائد،في العبادات،في الحلال،فى الحرام، في أمور الدنيا،اجتهد ؛《أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ》<٣>،الأصل في الدين التحريم إلا ما أذن فيه الشارع ،فإذا دخلت بعقلك في دين الله اتَّبعت هواك وقلت على الله بغير علم ،وهذا من أكبر الذنوب ،في بعض الأحيان يصل إلي أكبر من الشرك، كما قال ابن القيم؛لأنه شرح هذه الآية

__________________________

<١>"سنن ابن ماجه": المقدمة ،باب تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه؛حديث رقم (٢٢)مختصرًا . كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء مما غيرت النار ،حديث رقم (٤٨٥).
"سنن الترمذي": كتاب الطهارة ،باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار،حديث رقم (٧٩).
قال الشيخ الألباني :حسن.

<٢>"البخاري": كتاب العلم،باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين،حديث رقم :(٧١).
"مسلم":كتاب الزكاة ،باب النهي عن المسألة، رقم الحديث (١٠٣٧).

<٣>"مسلم":كتاب الفضائل ،باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم (٢٣٦٣).








(flower)الصفحة ١٥- ١٦ ١٧-١٨(flower)



وقال: " إنَّ النص تدرج فيها من الأدنى إلى الأعلى، فأعظمها القول على اللّه بغير علم، أعظم من الشرك ؛لأنه يدخل فيه الشرك وغيره، وما الشرك إلا من أقوال أهل الباطل وأهل الضلال.

▪فالحذر الحذر من التكلم في دين اللّه بالهوى اغترارًا بالعقل والذكاء والفهم، وإنما الفقه في هذا النص كما هو الشأن في الصحابة والتابعين، وكما قال هنا: ((إنما هو الاتباع وترك الهوى)) يعني: لا تسليط العقل على دين اللّه ولا تسليط الهوى، وإنما هو الاتباع وترك الهوى، وتجرد للّه رب العالمين.



[اَلْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ]


وَمِنْ اَلسُّنَّةِ اَللَّازِمَةِ اَلَّتِي مَنْ تَرَكَ مِنْهَا خَصْلَةً - لَمْ يَقْبَلْهَا وَيُؤْمِنْ بِهَا - لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا: اَلْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَالْإِيمَانُ بِهَا، لَا يُقَالُ : لِمَ ؟ وَلَا : كَيْفَ ؟ إِنَّمَا هُوَ اَلتَّصْدِيقُ وَالْإِيمَانُ بِهَا.

الشرح

▪((ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة- لم يقبلها ويؤمن بها- لم يكن من أهلها)) انتبهوا لهذا ؛هذه الفقرة مهمة جدًّا، الإمام أحمد سيصف لنا أصولًا من ترك شيئًا منها فليس من أهل السنة؛يعني: يخرج عن دائرة السنة إلى البدعة، تنبهوا لهذا ! .

▪((ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة)) فإذا تركها كلَّها أو معظمَها فهذا هو البلاء، ((لم يقبلها)) يعني : أباها ((ويؤمن بها، لم يكن من أهلها)) إذا لم يكن من أهل السنة يكون من أهل البدع والضلال- والعياذ باللّه-، وأنتم تعرفون أنَّ البدعة تنقسم إلى كبائر وصغائر، وإلى شرك وإلى إلحاد ،وإلى بلاء كما يقول ابن القيم رحمه اللّه: (( البدعة مشتقة من الكفر وآيلة إليه)).

▪والبدعة تقوم على الهوى والضلال {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ)) [الجاثية :٢٣].

▪فنعوذ بالله من إتباع الهوى ، ولهذا سمَّى أهلُ السنة أهلَ البدع بأهل الأهواء؛ لأنهم خالفوا دين الله وإتبعوا أهواءهم ، وهؤلاء مثل الخوارج والروافض والمعتزلة والجهمية والصوفية الحلولية أو أهل وحدة الوجود أو عباد القبور أوما شاكل ذلك ، كل هذه بدع وضلالات مخالفة لنصوص الكتاب والسنة ، ومخالفة لأصول السنة وقواعدها .

▪أولها قال :(( الإيمان بالقدر )) فالذي لايؤمن بالقدر ليس من أهل السنة ، هذا ترك خصلة عظيمة وأصلًا عظيمًا من أصول السنة ، الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان .

▪دل على ذالك كتاب الله وسنة الرسول - عليه الصلاة و السلام-،قال اللّه-تبارك وتعالى-:{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين}ٍ [يس: ١٢].فكل حادث يحدث وكل عين قد علمه الله وسجله في اللوح المحفوظ ،وهذا من أدلة القدر{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر:٤٩].

▪وجبريل أرسله الله -تبارك وتعالى - إلى محمد صلى الله عليه وسلم ليقرر في هذا اللقاء أصول الدين وأركانه التي يبنى عليها ويشاد عليها ، سأله عن الإسلام ، فقال :(( ِ الإِسْلاَمِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ ))، قال : ما الإيمان ؟ قال:((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ من الله تعالى))<١>.

فالأركان الخمس غير القدر مذكورة ، القدر مذكور في آيات كما سبق ، وقد تسرد أصول الإيمان في عدد من الآيات { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[البقرة : ٢٨٥] .فيساق أحيانًا القدر في نصوص مستقلة ، وتسرد هذه الأصول في سياق واحد،وكلها دل عليها كتاب الله وسنة رسول الله -عليه الصلاة و السلام- كما في حديث جبريل هذا ، وكما في حديث عبد الله بن مسعود ،وربما تأتي لمحة أخرى عن القدر.نذكر في ذلك الأدلة إن شاء الله.

▪من الأصول التي من ترك منها خصلة :((الإيمان بالقدر خيره وشره)) فعلى المؤمن أن يؤمن بأن القدر كله خيره وشره من الله- تبارك وتعالى-،وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في" الواسطية "وغيرها عن القدر وأنه درجات :

▪فالدرجة الأولى :علم الله المحيط بكل شيء، علم الله بعلمه القديم الأزلي كل شئ من مخلوقاته صغيره وكبيره، دقيقه وجليله.

ثم سجل ذلك في كتاب محفوظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :《قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 》<١>وقال -عليه الصلاة والسلام- :《 أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ. قَالَ : مَا أَكْتُبُ ؟.قال : اكْتُبْ مَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قيَاْمِ الساعةِ》<٢> .فكتب الله- تبارك وتعالى- كل المعلومات التي علمها بعلمه الشامل المحيط في اللوح المحفوظ { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }[الأنعام :٥٩]،
{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ}[لقمان:١٦].



(flower)ص ١٩-٢٠-٢١ (flower)


-----------------------

<١> "البخاري " : كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ... حديث رقم [٥٠].
مسلم : كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان .. حديث رقم (٨)
.

(flower)هامش ص ٢٠ (flower)


--------------------


<١ >"مسلم :كتاب القدر ،باب حجاج آدم موسى عليهما السلام ،حديث رقم (٢٦٥٣).

<٢>"سنن أبي داود ": كتاب السنة،باب في القدر ،حديث رقم (٤٧٠٠).
"سنن الترمذي ": كتاب القدر ،باب (١٧)،حديث رقم (٢١٥٥)،وقال الترمذي :هذا حديث غريب من هذا الوجه.

قال الشيخ الألباني : "صحيح"،وأورده في "السلسلة الصحيحة"برقم (١٣٣).



(flower)هامش ص٢١ (flower)







---------------------------------


فالله عليم بكل شئ ،ودوَّن هذه الأشياء كلها في اللوح المحفوظ.



▪ثم الدرجة الثانية: وهي الإيمان بمشيئة الله العامة الشاملة لكل الأشياء وكل المرادات التي يشاؤها سبحانه وتعالى ،والإيمان بقدرته التي يخلق بها كل الأشياء فما من معدوم أو موجود سابقًا أو لا حقًا صغيرًا أو كبيرًا ،قولًا أو فعلًا ،حركة أو سكونًا لا تحصل إلا بمشيئة الله ،ولا توجد إلا بخلق الله وإيجاده إياها بمشيئته وقدرته التي لا يعجزها شيء .

▪ومع ذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب يكلف العباد بأوامر ونواه وعقائد وعبادات وما شاكل ذلك ،فالمطيع يطيع باختياره وإرادته ،وذلك لا ينافي مشيئة الله وقدرته سبحانه وتعالى.

▪فمن أطاع وسلك سبيل الرسل الكرام فجزاؤه الجنة،ومن عصى الرسل وكذبهم وخالفهم حوسب على ذلك وجوزي على مقدار انحرافه،إن كان كفرًا فالنار خالدًا مخلدًا فيها ،وإن كان من أصحاب الكبائر يدخل تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.

■الشاهد :أن الإيمان بالقدر خيره وشره لا ينافي القيام والنهوض بالشرائع "اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". وقد سأله بعض الناس فيم العمل اليوم ؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم الأمر مستأنف ؟ قال : "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ". قال : ففيم العمل ؟ قال : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له " <١> .فأهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة ،وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة ،وقوله : "اعملوا " ؛ يعني :اعملوا بشرائع الله ،واعملوا بما جاءت به الرسل ،أطيعوا الرسل ؛ لأن الله أعطاك اختيارًا ،وأعطاك قدرة، وأعطاك عقلًا تميز به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والطاعة والمعصية، واللّه يحاسبك على ما أعطاك من هذه الاَلات، وهذه الأدوات التي تميَّزْت بها عن الحيوانات والجمادات، وهي مناط المسؤلية أمام اللّه- تَبَارَكَ وتَعَالى - ،وعليها يترتب الجزاء سواء كان إكرامًا أو إهانة.

▪ ((والتصديق بالأحاديث فيه)) في القدر، من الأحاديث التي ذكرناها مثل حديث جبريل أيضًا ((أن تؤمن بالقدر خيره وشره)) يعني : أن تؤمن بالقدر خيره وشره، هذا في التقدير العام الذي مرجعه علم اللّه الشامل السابق، ومرجعه ما كتبه اللّه -تَبَارَكَ وتَعَالى- في اللوح المحفوظ.

▪وحديث ابن مسعود في التقدير العمري- عمر الإنسان- في حديث ابن مسعود ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة،ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك))؛ يعني أربعين أربعين ، ((ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد )) <١>.فهذا يسمى بالتقدير العمري.

▪هناك تقدير سنوي يعني: ليلة القدر كما قال اللّه- تَبَارَكَ وتَعَالى-: {إِنَّا أَنزَلناهُ فِي لَيْلَةٍ مبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }[الدخان٤،٣].

فيكتب فيها الله مقادير ما يجري على العباد من أعمال صالحة وسيئات ومصائب وما شاكل ذلك، هذا يسمى التقدير السنوي الذي يقدِّره اللّه في
هذه الليلة.

▪ثم هناك تقدير يومي وهو ما يفعله العباد ويكتبه عليهم الملائكة يومًا فيومًا.

▪قال: ((والإيمان بها)) بالنصوص،(( لا يُقال: لِمَ ؟)) لم فعل اللّه كذا ؟و لم قدر كذا ؟ ولم أمر بكذا ؟ ولم نهى عن كذا ؟ قال : ((لايقال: لم ؟ ولا كيف ؟)) إنما هو الإيمان والإستسلام والتسليم ؛ لأن هذه التساؤلات قد تكون ناشئة عن الإعتراضات على الله -تبارك وتعالى - على قدره ، على شرعه ، على أمره ونهيه. فما عليك إلا التسليم ، خاصة في باب القدر ؛لأن باب القدر كما يقال : " سر الله -تبارك وتعالى - " فما عرفت منه فاحمد الله ، وما لم تعرف فما عليك إلا التسليم ، لا تقل :(( لِمَ ؟ ولا : كيف ؟ إنما هو التصديق والإيمان بها )) . هذا الواجب على المسلم ، وهذا مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، أنك مستسلم لله فيما يأمر به وينهى عنه ويشرعه ، وفيما يقدر عليك من خير وشر .


[ التسليم للحديث والايمان به ]


وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفْسِيرَ اَلْحَدِيثِ وَيَبْلُغْهُ عَقْلُهُ فَقَدْ كُفِيَ ذَلِكَ وَأُحْكِمَ لَهُ، فَعَلَيْهِ اَلْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ، مِثْلُ حَدِيثِ " اَلصَّادِقِ اَلْمَصْدُوقِ" وَمِثْلُ مَا كَانَ مِثْلَهُ فِي اَلْقَدَرِ، وَمِثْلُ أَحَادِيثِ اَلرُّؤْيَةِ كُلِّهَا، وَإِنْ نَأَتْ <١> عَنْ اَلْأَسْمَاعِ وَاسْتَوْحَشَ مِنْهَا اَلْمُسْتَمِعُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ اَلْإِيمَانُ بِهَا، وَأَلا يَرُدَّ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وَغَيْرَهَا مِنْ اَلْأَحَادِيثِ اَلْمَأْثُورَاتِ عَنْ اَلثِّقَاتِ.


الشرح

((ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأحكم له )) ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [ البقرة: ٢٨٦] . بعض النصوص قد لا تفهمها ولكن ما هي الحكمة والغاية منها ؟ وما هو السر من ورائها ؟ فعليك بالإيمان والتصديق ؛ لأن هذا مقتضى الإيمان ومقتضى التصديق ، آمنت بالغيب آمنت بأن محمدًا حق وأن القرآن حق وما جاء به محمد حق ، وأنه لا ينطق عن الهوى ، فما عرفت فالحمد لله ، وما لم تعرفه فَكِلْهُ إلى عالمه وقد كفاك .


_____________________________



<١> البخاري :كتاب التفسير ،باب { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}،حديث رقم(٤٩٤٩).

مسلم :كتاب القدر ،باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ..حديث رقم (٢٦٤٨ ).واللفظ له.


(هامش ص ٢٢(

--------------------

<١> البخاري: كتاب القدر، باب القدر، حديث رقم (٦٥٩٤ ).
مسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الاَدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، حديث رقم(٢٦٤٣).


(هامش ص ٢٣

--------------------


<١> في نسخة : نَبَتْ .


هامش ص ٢٤ ()





أسئلة الدرس


♦السؤال الأول: هناك من إخواننا السلفيين من يجالسون أهل الأهواء ؟


•°•... سأذكر بعض الأمثلة لكم، وقد حصل هذا لابن عقيل، وحصل للبيهقي، وحصل للهروي،وحصل لكثير وكثير على امتداد التأريخ الإسلامي، والكثير اغتروا بأنفسهم وجالسوا أهل الأهواء فضاعوا، وفي هذا الأصل عبروعظات كثيرة وكثيرة حصلت لأناس كانوا يتَّبعون السلفيين،فلمجالستهم ومخالطتهم وقراءتهم لكتب أهل الباطل تاهوا وضاعوا.

-فنصيحة لهؤلاء أن يستفيدوا من إخوانهم ويستفيدوا قبل ذلك من هذا المنهج العظيم الذي يحثك على السلامة والنجاة بنفسك، فواللّه إن السلامة لا يعدلها شيء.


♦السؤال الثاني: من المعلوم أن الخلاف في الفروع سائغ بشروطه فما هي الضوابط التي يكون فيهاالخلاف في بعض مسائل العقيدة سائغًا ؟


•°• الجواب: واللّه ما أرى هناك أي مسوِّغ للخلاف في العقيدة، وما يتعلقون به مما ينسبونه إلى الصحابة أنهم مختلفون في العقيدة، فهم لم يختلفوا في شيء، وسيأتينا إن شاء اللّه في درس من هذه الرسالة.


♦السؤال الثالث: إذا اجتمع الصحابة على مسألة ما، هل يجوز لمن جاء بعدهم أن يُحْدِث قولًا ؟

•°• الجواب: هذا يتعرض إلى وعيد شديد وخطر كبير {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرا}[النساء:١١٥].

أجمع الصحابة على مسألة وأنت تأتي برأي آخر ؟ هذا خرق الإجماع ومخالفة الكتاب والسنة ومشاقة للّه وللرسول وللمؤمنين واتباع لغير سبيل المؤمنين، فلا يجوز.


♦السؤال الرابع: أنا رجل أعمل في إحدى الوظائف وبعض زملائي أو كلّهم من أصحاب المناهج المنحرفة فما نصيحتك لي في الحذر من مجالستهم ؟

•°• الجواب: ابحث لك عن مجال آخر، إن وجدت فيهم من يقبل دعوتك فالحمد للّه، وإن ما وجدت فابحث عن مجال آخر، نعم.


♦السؤال الخامس: أرجو توضيح حديث ابن مسعود ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة))<١> ؟


•°• الجواب: إذا جامع الرجل زوجته وأنزل الماء في رحمها فيكون مدة أربعين يومًا نطفة، ثم اللّه -تَبَارَكَ وتَعَالى- ينقله إلى طور آخر وهي علقة، ثم ينقله إلى طور آخر -أربعين أخرى- مضغة، وهي مضغة اللحم، والعلقة من الدم، فهي أطوار؛ {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح:١٤] من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى جنين، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

على كل حال : قد يكون الإشكال عند القدرية يعني كونه يعلم سعادته أو شقاوته وهو في بطن أمه ،وهذا من ضلالهم، فإن اللّه- تَبَارَكَ وتَعَالى- قد علم ذلك في علمه الأزلي ثم سجل ذلك في اللوح المحفوظ، ثم هذا تسجيل مطابق لما علمه اللّه في الأزل ولما سجله في اللوح المحفوظ، وهؤلاء أُتُوا من اهوائهم واغترارهم بعقولهم وإلا المسألة مسلمة وبديهية عند السلف.ونرجو ألا يكون السائل متأثرًا بأفكار هؤلاء.





____________________________

<١> سبق تخريجه .



(الصفحة ٢٥-٢٦
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03Feb2018, 09:09
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي

[الإيمان برؤية الله ]


((ومثل أحاديث الرؤية كلها )) .


الشرح


أي: رؤية الله في الدار الآخرة؛ فعلى العبد أن يؤمن بأن الله يُرى في الدار الآخرة؛يراه المؤمنون.

وأنكر المعتزلة رؤية الله في الدار الآخرة! بناءً على شبهة باطلة! ورد عليهم أهل السنة بالحجج والبراهين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

وممن رد عليهم الإمام ابن القيم رحمه الله احتج ابن القيم بسبع آيات من القرآن، قد يستبعد الإنسان الاستدلال بها؛ ولكن إذا تأملها يجد أنه على صواب في الاستدلال بها رحمه الله:

منها: قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ﴾ [البقرة:٢٢٣]. قال: واللقاء لابد فيه من الرؤية والمعاينة،هذا ما تقتضيه لغة العرب.

واحتج أيضًا قال: إن الآيات التي يتعلق بها الذين ينكرون رؤية الله مثل قول الله-تبارك وتعالى-: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الأنعام:١٠٣]. نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله لا يتمدَّح بمجرد النفي،وإنما يتمدح بالنفي المتضمن للإثبات، وضرب أمثلة كثيرة لهذا، وهنا قوله: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فيه إثبات الرؤية ؛ لأنه ما نفى الرؤية وإنما نفى الإحاطة، والله لا يحيط به شئ، وأنت ترى الشمس وترى السماء وترى كثيرًا من الموجودات ولا تستطيع الإحاطة بها وإن كنت تراها في الجملة.

كذلك الآية الأخرى قول الله لموسى:﴿ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].طلب موسى من ربه أن يراه، لو كان هذا الأمر محرمًا أو مستحيلًا ما سأل موسى هذا، قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾.ما قال: لا تراني . ﴿لَن تَرَانِي﴾: يعني الآن ۚ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾[ الأعراف:١٤٣]،لكن موسى لا يطيق في هذه الدنيا رؤية الله، تركيب البشر الآن لا يطيقون به رؤية الله-تبارك وتعالى-،كيف وفي الحديث الصحيح :« حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» <١> .

فالتكوين البشري الآن ما يتحملون رؤية الله -تبارك وتعالى-، فإذا كان الجبل يندك لتجلي -الله عزوجل -فكيف يطيق الإنسان رؤيته؛ لكن الله -سبحانه وتعالى- إذا بعث عباده وأدخلهم الجنة وكذا وكذا، يعني يدخلهم بهيئة وتركيبة مهيأة لرؤية الله-عز وجل.

ومن الآيات﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ ﴾[يونس:٢٦] يعني :فسرها الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام- بالرؤية كما في حديث صهيب في « صحيح مسلم» <٢>، وفسرها عدد من الصحابة بالرؤية- يعني: هذه الزيادة - الحسنى: الجنة، والزيادة : هي رؤية الله-تبارك وتعالى- وهي أفضل من الجنة، والله يقول لعباده بعد أن يدخلوا الجنة: هل تريدون شيئًا أزيدكم ؟ قالوا: ماذا نريد ، بيضت وجوهنا، وأدخلتنا الجنة وأعطيتنا وأعطيتنا، فيتجلى لهم ربهم ، فما يتنعمون بنعمة ولا يجدون أفضل من رؤية الله-تبارك وتعالى-.

والأحاديث- كما قلنا- بلغت الثلاثين في إثبات رؤية الله، منها حديث جرير، وحديث أبي هريرة: « ترون ربكم عيانًا كما ترون الشمس ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» <٣> .أحاديث كثيرة


-----------------------
روى منها البخاري جملة ، ومسلم كذلك.

هذا فيما يتعلق بالرؤية .

((وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع )) يعني :أسماع أهل الباطل ، أما أهل الحق فيتلقونها بصدور رحبة ، (( وإنما عليه الإيمان بها )) لما ظهرت الفتنة وإنكار رؤية الله وهناك أناس يشوشون ، قال مثل هذا الكلام .

هل أحدكم يُشَوَّش من حديث أبي هريرة أو آية الرؤية ؟! لا أحد ، ولا ينبو سمعه عنها لكن أسماع أهل الباطل تنبو عنها ، فيقول مثل هذا الكلام.

((وألا يرد منها حرفًا واحدًا )) لأن الرسول لا ينطق عن الهوى -عليه الصلاة و السلام- لا يقول إلا حقًّا ، ولما قال له عبد الله بن عمرو : يقولون : لا تكتب عن محمد وهو بشر يتكلم في حال الرضا والغضب . قال الرسول : (( اكتب ، والذي نفسي بيده لا يخرج مني إلا حق )) <١> . _ عليه الصلاة و السلام _ { وما يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إِن هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى } [النجم ٣، ٤].


[ تَرْكُ الْجِدَالِ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّين ِ]


وَأَلَّا يُخَاصِمَ أَحَدًا وَلَا يُنَاظِرَهُ، وَلَا يَتَعَلَّمَ اَلْجِدَالَ،فَإِنَّ اَلْكَلَامَ فِي اَلْقَدَرِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا مِنْ اَلسُّنَنِ مَكْرُوهٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَا يَكُونُ صَاحِبُهُ -وَإِنْ أَصَابَ بِكَلَامِهِ اَلسُّنَّةَ- مِنْ أَهْلِ اَلسُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ اَلْجِدَالَ وَيُسَلِّمَ وَيُؤْمِنَ بِالْآثَارِ.


الشرح

وينصح بترك الجدال ، ((فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه )) ورد أحاديث في النهي عن الجدال والخصومات ، والرسول -صلى الله عليه وسلم - خرج وأناس يتناظرون في القدر فغضب حتى كأنما تفقأ في وجهه حَبُّ الرمان ،ثم قال : «أ تريدون أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض» <١>. أنكر إنكارًا شديدًا ، هذا يدل أن النهي عن الجدال في القدر وفي غيره من العقائد ·

((لا يكون صاحبه - وإن أصاب بكلامه السنة -من أهل السنة ))
فاﻹمام أحمد متشدد في الجدال ، وأن من يقول : أنه لا يتوصل إلى السنة إلا بالجدال فهذا يقول غلطًا.

وعلى كل حال : هذا الكلام لا يؤخذ على إطلاقه ، فإن الله قد أباح لنا الجدال بالتي هي أحسن ، فإذا استوفى الجدال شروطه وكان المجادل يريد الحق لا يريد المباهتة والمكابرة والمعاندة ،فأنت بيِّن له بالتي هي أحسن ،أما إذا كان يميل إلى الغضب والصراع والتعالي فاتركه .

كان الشيخ ابن باز - رحمه الله - يأتيه بعض الخوارج ليناظرهم ما يناظرهم ، يأتيه بعض الرافض ليجادلهم مايجادلهم .

وأخيرًا قال : ((حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن باﻵثار )) هذا الذي يجب ؛ تؤمن بالآثار وترويها للناس وتشرحها وتبينها لهم إن كان يصعب عليهم فهمها ،إذا رأيت أحدًا يجادل بالتي هي أحسن يريد الاستفادة تبين له ، عنده شبهة أزِلها عنه بلطف ، والحكمة والموعظة الحسنة ، وإن كان يريد المماراة فلا تجادله؛لأن هذا لا يريد الحق ولن تصل معه إلى نتيجة .


[الْقُرْآنُ كَلَامُ اَللهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ]


وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اَللَّهِ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ،وَلَا يَضْعُفُ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، قال: فَإِنَّ كَلَامَ اَللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ، وَإِيَّاكَ وَمُنَاظَرَةَ مَنْ أَحْدَثَ فِيهِ، وَمَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ وَقَفَ فِيهِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَخْلُوقٌ أَوْ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ


وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ اَللَّهِ ،فَهَذَا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مِثْلُ مَنْ قَالَ:
( هُوَ مَخْلُوقٌ ). وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ اَللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. ________________________






الشرح


وهذه القضية - كما تعرفون - قضية خطيرة جدًّا ، قضية القول بخلق القرآن ، قامت عليها محنة عظيمة لأهل السنة والجماعة ، وعلى رأسهم الإمام أحمد ، وقع فيها السجن والضرب والقتل ؛ قام بذلك الجهمية والمعتزلة في عهد المأمون والمعتصم والواثق ، في عهد ثلاثة خلفاء من العباسيين امتُحنت الأمة محنة عظيمة بالجهمية والمعتزلة وأهل الضلال ، و تسلطوا على أهل السنة ، ولكن كتب الله العاقبة للمتقين ، فصبر الإمام أحمد وصابر وتحمل الضرب والسجن والمتاعب الشديدة التي لا تطيقها الجبال رحمه الله ، فرفع الله مكانته وأعلى منزلته ، وصار إمام أهل السنة بحق ،فلا يرفع أحد رأسه بالسنة وراية السنة إلا و اعتز بانتمائه إلى هذا الإمام العظيم ، وأعز الله الإسلام بأبي بكر يوم الردة وبأحمد يوم المحنة كما قال بعض السلف ، رحمه الله وجزاه أحسن الجزاء .

فالقرآن والسنة يدلان على أن القرآن كلام الله تكلم به سبحانه وتعالى ، أوحاه إلى جِبْرِيل ، وجبريل بلغه إلى محمد صلى الله عليه وسلم- والله يتكلم متي شاء وإذا شاء ، ومن كلامه الذي لا تفنيه البحار { قُل لَّوْ كَانَ آلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبْيِ لَنَفِدَ آلْبَحَرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّىِ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدَاً } [ الكهف: ١٠٩]. فمن كلامه الكتب المنزلة لإصلاح البشر ولهدايتهم و لإنقاذهم من الضلال و للمقاصد والغايات الحكيمة التي لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ، هذا من رحمته ومن حكمته ومن مقتضيات ربوبيته أن يوحي إلى الرسل وينزل إليهم الكتب لتصلح بها حياتهم وتستقيم عليها حياتهم ويتأهلون بوحي هذه الكتب والعمل بها وبمقتضاها لدخول الجنة ، ومرضاة رب العالمين ، ومن خالفها وعاندها تقوم عليه الحجة ويستحق جزاء الكافرين والمتكبرين وهو الخلود في النار كما تحدث الله عن ذلك .

(( والقرآن كلام الله )) الله تكلم به سبحانه وتعالى ، والكتب المنزلة كلام الله أوحاها إلى عباده ، وكلم موسى تكليمًا ، وكلم محمدًا ليلة الإسراء - عليه الصلاة والسلام - ، وينادي يوم القيامة : أين شركائي ؟ { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى } [ الشعراء : ١٠] . النداء لا يكون إلا بحرف وصوت يليق بالله ، لا يشبه صوت ولا حروف ولا كلام المخلوقين ، فالله يتكلم ، والكلام صفة كمال ، فالجماد لا يتكلم والحيوانات لا تتكلم وهي أحط من البشر الذين يتكلمون ، فالله كرَّم الإنسان وكمَّله ، ومن كماله وأكمل كمالاته الكلام الذي تميز به على سائر المخلوقات ، فالله الذي أعطى البشر والملائكة والجن العقلاء أعطاهم هذه القدرة على الكلام ، وصفة الكلام من صفات الكمال ، والله كامل يهب من كماله لمن يشاء من عباده ومخلوقاته ، فهي صفة كمال ، العلم صفة كمال ، القدرة صفة كمال ، فالذي يسلب عن الله الكلام والعلم والقدرة هذا تنقَّص الله غاية التنقص ، ولما قال أحد كفار قريش : { إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } [ المدثر : ٢٥ ] . قال : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : ٢٦ ] ، { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( ١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( ٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( ٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ( ٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : ١٨ - ٢٦ ] . قول البشر مخلوق ، فتوعده الله هذا الوعيد الشديد ، هذا الطعن في هذا القرآن بأنه سحر وبأنه قول البشر ، هذا تنقص وطعن في هذا القرآن الذي هو كلام الله أنزله الله لهداية البشر سبحانه وتعالى ، وليس بمخلوق ؛ لأن المعتزلة والجهمية والباطنية والروافض والخوارج وكل فئات الضلال تختلف مقالاتهم ومؤداها أن الله لا يتكلم ، حتى الأشاعرة تأثروا بالمعتزلة ، أوائلهم كانوا يقولون : الكلام هو صفة قائمة بذات الله سبحانه وتعالى ، لكن هذا القرآن ليس كلامه وإنما هو حكاية لكلامه ، وكلامه صفة قائمة بذاته ليس بحرف ولا صوت ولكن ماتكلم . هذا القرآن ليس كلامه ! نسأل الله العافية ، ومن أواخر الأشاعرة من صرح بأن القرآن مخلوق مع الأسف .

فالقرآن كلام الله ليس بمخلوق ، وكلام الله كله ليس بمخلوق ، وهولاء لما .....


لما بدءوا بهذه الفتنة يقولون : كلام الله خلقه بغير محل ، ويقولون : كلام الله ؛ لكنه كما تقول : ناقة الله ، فيقولون : ناقة الله وبيت الله ، أي من إضافة المخلوق إلى الخالق ، وهذا من تلبيسهم وكذبهم .

قال :((وليس بمخلوق)) القرآن كلام الله ما يكفي ليش ؟ لأن الجهمي المعتزلي الذي ينكر أن القرآن كلام الله ، يقول :كلام الله ولكن يريد أنه مخلوق مثل أن نقول : ناقة الله وبيت الله ، بيت الله مخلوق ، وناقة الله مخلوقة أليس كذلك ؟ فهو من هذا الباب ، ومن هذا التلاعب يقولون : كلام الله لكنه مخلوق ، أنت قلت : كلام الله ليس بمخلوق ، لأنك لو قلت : كلام الله . وسكت وما قلت :ليس بمخلوق ؛ يوافقك المعتزلي والجهمي يقول لك : كلام الله ، لكن هو يكمل بأنه مخلوق ، وأنت أكملت: بأنه ليس بمخلوق .

((ولا يضعف أن يقول :ليس بمخلوق ، قال : فإن كلام الله ليس ببائن منه ، وليس منه شيء مخلوق )) يعني صفة الكلام صفة قائمة بذات الله - تبارك وتعالى- ؛ لكن يتكلم متى شاء وإذا شاء ، صفة الكلام ، ((كلام الله ليس ببائن منه )) يرد على المعتزلة الذين يقولون : خلقه بغير محل . فالكلام صفة الله مثل القدرة ، مثل الإرادة من الصفات الأزلية القائمة بذاته سبحانه وتعالى ، وهي صفات كمال ، وكما أنه يخلق متى شاء يتكلم متى شاء ،﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾[يس :٨٢] . فصفة الكلام صفة ذات ، لكنه يتكلم ويوحي ويخلق ويرزق بكلامه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ فقوله :((ليس ببائن منه )) أي أن كلامه تعالى قائم بذاته ، وأما القرآن فيسمع وكلامه يسمع ، عرفتم ؟ قوله : ((ليس ببائن منه )) مقصوده ؟ مقصوده أن هذه الصفة قائمة بذاته ، ردًّا على المعتزلة يقولون : خلقه بغير محل .

قال :((وليس منه شيء مخلوق وإياك ومناظرة من أحدث فيه )) انظر كيف يؤكد ؛ لكن هنا لما احتاج رضي الله عنه المناظرة ناظر ، لما ألجئ إليها ناظر إبن أبي دؤاد ، وناظر غيره، عند الضرورة وعند الحاجة؛ وعند من يريد أن يتلقى الدعوة و الحق.

((ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال: لا أدري مخلوق أو ليس مخلوق )) هنا لما جاءت فتنة القول بخلق القرآن وحصل افتراق بين أهل السنة وبين الجهمية والمعتزلة وغيرهم ؛ نشأ ممن ينتمي إلى السنة من يقول : القرآن كلام الله ولفظي به مخلوق، فأنكر عليهم الإمام أحمد لأنك لما تقول: لفظي بالقرآن مخلوق. كلمة (لفظ) تحتمل أن يراد بها الملفوظ ؛ يعني نفس القرآن ، وتحتمل أن يراد بها نفس اللفظ الذي يتكلم به ويلفظه المتكلم.

فلما كانت تحتمل الباطل، وقد يستغلها الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن يقول: القرآن مخلوق. قد يستغلها لتضليل الناس . لفظي بالقرآن مخلوق ، ويقصد بالملفوظ الكلام.

قال أحمد : من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع.

((ومن وقف فيه فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق، وإنما هو كلام الله، فهذا صاحب بدعة)) أنت تقول: كلام الله ليس مخلوقًا. لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق ؛ لأنها وسيلة يتذرع بها أهل الباطل ليتوصلوا بها إلى القول بأن القرآن مخلوق، وكذلك لا تتوقف اجزم؛ اجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما هو مقتضى القرآن و السنة وما عليه الصحابة والسلف الصالح أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق.

فإذا توقف الرجل شك في أمره وهو بدعة وتجهم ؛ فيعني لما نجمت هذه الفتنة واشتدت جاءت مثل هذه الألفاظ والبدع، ومنهم من يتوقف، لابد من الصراحة نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق وانتهى، لانقول :لفظي بالقرآن مخلوق، ولا نتوقف، لا يجوز التوقف، ولا يجوز أن نقول لفظي بالقرآن مخلوق.

(( ومن وقف فيه فقال : لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق )) ما شاء الله يتظاهر بالورع، هذا قاله عدد من الناس وأسقطهم أحمد وأسقطهم أهل السنة وبدَّعوهم ، منهم يعقوب بن شيبة من أئمة الحديث ، لما توقف في القرآن قال : لا أدري مخلوق أو غير مخلوق. قال الإمام أحمد : مبتدع ضال . واستشاره الخلفية أن ينصِّبه ويبوئه منصب القضاء ، ولعلها رئاسة القضاء ، قال أحمد : لا إنه ضال .

وقد تستغربون هذا ، والله أحمد فضَّل أن يوظف اليهود والنصارى ولا يوظف أهل البدع لخطورتهم ؛ لأنهم ينخرون في المجتمع من داخله ويفسدون المجتمع ، وهل أضر بأهل الإسلام إلا أهل البدع وهيَّأهم للسقوط في هوة الذل تحت أقدام النصارى واليهود إلا أهل البدع ، كل البلاء الذي أصاب الأمة من أهل البدع ، حتى ابن تيمية قال : إن الدولة الأموية لما وقعت في البدعة وقع رئيسها مروان الحمار في قول الجعد ، قال : كان سببا في سقوط هذه الدولة ، هذه البدعة الآن لا تساوي شيئا بالنسبة للبدع التي حدثت الآن .

يقول : (( فهذا صاحب بدعة مثل من قال : ( هو مخلوق ) . إنما هو كلام الله ليس بمخلوق )) الذي يتوقف والذي يقول : لفظي بالقرآن مخلوق . من هذه الأصناف ومن أذيالهم وأذنابهم .







------------------


<١> مسلم : كتاب الإيمان، باب في قوله ﷺ:«إن الله لا ينام»، وفي قوله :« حجابه النور..... »، حديث رقم(١٧٩).
<٢> مسلم :كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى، حديث رقم (١٨١).

<٣>البخاري: كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى:﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [ القيامة: ٢٣،٢٢]، حديث رقم (٧٤٣٧).






<١> مسند أحمد ( تحقيق أحمد شاكر ) : مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ، حديث رقم (٦٥١٠ ، ٦٨٠٢ ) ، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح .





< ١> سنن ابن ماجه : المقدمة ، باب في القدر ، حديث رقم (٨٥) . قال الشيخ الألباني : حسن صحيح .






الصفحة ٢٧-٢٨ ٢٩-٣٠-٣١ - ٣٢-٣٣-٣٤-٣٥
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13Feb2018, 22:35
ام العبادلة ام العبادلة غير متواجد حالياً
حرسها الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: طرابلس الغرب
المشاركات: 472
افتراضي

[ الْإِيمَانُ بِرُؤْيَةِ اللهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ]


وَالْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ اَلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ اَلْأَحَادِيثِ اَلصِّحَاحِ.

وَأَنَّ اَلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ رَأَى رَبَّهُ، فَإِنَّهُ مَأْثُورٌ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَحِيحٌ، رَوَاهُ قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ .

وَرَوَاهُ اَلْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ .

وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرَانَ، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ.

وَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ اَلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَالْكَلَامُ فِيهِ بِدْعَةٌ، وَلَكِنْ نُؤْمِنُ بِهِ كَمَا جَاءَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا نُنَاظِرُ فِيهِ أَحَدًا.


■ الشرح ■

قال: ((والإيمان بالرؤية يوم القيامة، كما رُوي عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحاح))تقدم الكلام عن الرؤية.

((وأن النبي ﷺ رأى ربه،فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ صحيح، رواه قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.

ورواه الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس.

ورواه علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس.

((والحديث عندنا على ظاهره))

هذه المسألة حصل فيها خلاف؛ هل رأى رسول الله ﷺ ليلة أسري به ربه أو ما رآه؟ فبعض الناس تعلق بكلام ابن عباس هذا وتعلق بكلام أحمد، وفهموا من كلاميهما أنهما يقولان : إن محمدًا رأى ربه بعينيه.

قال شيخ الإسلام: كلام أحمد وكلام ابن عباس يرد مطلقًا ويرد مقيدًا.

يعني يطلق ابن عباس : رأى محمد ربه، ويأتي عنه مقيدًا رآه بفؤاده، وأحمد يرد كلامه مطلقًا يقول: رأى ربه، ويرد من كلامه مايفيد أنه رأى ربه بفؤاده.

والصحيح كما يقول ابن تيمية: لم يثبت في كتاب الله ولا في سنة رسول اللّه أن محمدًا رأى ربه، كلام ابن عباس موقوف ومقيد في نفس الوقت والتقييد بالنصوص التي وردت مقيدة أصح، ففي((صحيح مسلم ))أنه رأى ربه بفؤاده مرتين <١> كما قال الله- تبارك وتعالى-:﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَى﴾:[النجم:١١].


قال تعالى:﴿وَلَقَدْ رَءآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾[النجم:١٣]. يعني مرتين.

عائشة سئلت قالت في حديث مسروق:((ثلاث من حدثك بهن فقد أعظم على الله الفرية))، ومنها ذكرت:((من قال: إن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. فقال مسروق: أمهليني يا أم المؤمنين أليس الله يقول:﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾[النجم :١١]،﴿وَلَقَدْ رءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾[النجم :١٣]؟ قالت له: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله عن هذا، قالت: ذلك جبريل رآه رسول الله، كما قال رسول الله ﷺ ، رآه في هيئته التي خلقه الله عليها مرتين، رآه منحدرًا من السماء، سادًّا ما بين السَّماء والأرض؛ يعني ما رآه على هيئته التي خلقه الله عليها إلا مرتين. فيراه قد سدَّ ما بين السماء والأرض، لعظم خلقه، فالآية تعني رؤية محمد لجبريل))<2>.

وسئل الرسول-عليه الصلاة والسلام-كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه بالإضافة إلى حديث عائشة رضي الله عنها قال: "نور أنَّى أراه" <3>. يعني بعيد، استبعد النظر.

والإسنادان اللذان ساقهما إلى ابن عباس كلاهما فيه ضعف ((رواه قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس))

ورواه الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس)). الحكم بن أبان هذا صدوق له أوهام<4> في الإسناد الأول.

في الإسناد الثاني فيه علي بن زيد بن جُدعان ضعيف(5) ،وفيه يوسف بن

~•~•~•~•~•~•~•~•~~

مهران مجهول، لم يرو عنه إلا علي بن زيد بن جدعان<6> عرفتم؟ فهما موقوفان.

قول موقوف عن ابن عباس عارضه المرفوع عن النبي - عليه الصلاة والسلام- ،وإذا تعارض الموقوف والمرفوع نقدم أيهما ؟

هذا على فرض أنه يفيد الرؤية بالعين، يقول: هذا تنزلًا، وإلا فالصحيح أن إطلاق هذا إن ثبت يقيَّد بالحديث الثابت((رأى ربه بفؤاده))، فقيد ابن عباس نفسه الرؤية التي أطلقها برؤية النبي ﷺ بفؤاده ،ويقول ابن تيمية رحمه الله الإمام أحمد يطلق الرؤية ويقـيِّد.

والصواب هو التقييد .

إذن ما فيه خلاف بين الصحابة ، فأهل الأهواء الذين يروِّجون الخلافات في الأصول والعقائد، يقولون: والصحابة اختلفوا في العقائد ، هذا كذب ما اختلفوا، عائشة كانت تنفي الرؤية بالبصر، وابن عباس ما أثبت الرؤية بالبصر أثبت الرؤية بالفؤاد، أين الخلاف؟ ما فيه ، عرفتم ؟

ويختم الكلام على هذه يقول((والحديث عندنا على ظاهره))قد يفهم منه أنه يرى أن الرسول ﷺ رأى ربه بعينه بناء على حديث ابن عباس، وقد عرفتم أن حديث ابن عباس ماذا فيه من الكلام وأنه ما يرتقي إلى درجة الصحة، وقد لا يرتقي إلى درجة الحسن، ثم إنه مقيَّد بالحديث الصحيح، فيحمل كلامه المطلق على التقييد- بارك الله فيكم- وتكون النتيجة أنه لا خلاف في القضية بين الصحابة.

أما المتأخرون بعضهم تأثر بكلام أحمد وظن أنه يقول : أن محمدًا رأى ربه بعينيه. وفهمه هذا خطأ إذ أن أحمد كان يقيـِّد .




[ الْإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ ]

وَالْإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ كَمَا جَاءَ،((يُوزَنُ اَلْعَبْدُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَلَا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ))<7>، وَتُوزَنُ أَعْمَالُ اَلْعِبَادِ كَمَا جَاءَ فِي اَلْأَثَرِ، وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّنْ رَدَّ لذَلِكَ، وَتَرْكُ مُجَادَلَتِهِ.


■ الشرح ■


((والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء « يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح يعوضة» ))، يؤتى بالرجل العظيم السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة ، هذا فيه دليل على أن الأشخاص يوزنون ، وورد في حديث ثابت أن ابن مسعود ارتقى على شجرة الأراك، وكان دقيق الساقين فتعجبوا من دقة ساقيه، فقال: « لا تعجبوا من دقة ساقيه فإنهما أثقل في الميزان من جبل أحد»<8>. هذا دليل على أن الأشخاص يوزنون، وأما الأعمال فلا خلاف فيها، أنها توزن.

المعتزلة والجهمية وأهل الضلال ينكرون الميزان المحسوس، ردوا الوزن العدل، هذا قول المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من أهل الضلال ، ينكرون الميزان.

والميزان له كفتان توزن فيهما الأعمال، وهذه من الأدلة: حديث السِّجلات الذي يأتي؛ يعني يخبره الله- تبارك وتعالى- ويعرض عليه أعماله

~•~•~•~•~•~•~•~•

فإذا بها في تسعة وتسعين سجلًّا تملأ ما بين السماء والأرض ، ثم يقال :« هل لك عمل ؟ هل لك من خير ؟ هل لك من عمل ؟ فيقول : لا ياربي، فيقول : بل لك عندنا حسنة ، ولا يظلم ربك أحدًا ، فتوضع لا إله إلا الله في كفة وتوضع هذه السجلات التسعة والتسعون سجلًّا في كفة فترجح بهما لا إله إلا الله ، لأنه لا يثقل مع اسم الله شيء» <9>.

وقد ورد في حديث : « لو وضعت السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله»<10>.

الشاهد : أن الميزان ثابت في الكتاب والسنة ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾.[الأنبياء :٤٧]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾[الأعراف:١٠٣]، ﴿ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾[القارعة: ٦-٩].

ومع الأسف سيد قطب - والله - ينكر الميزان ، ينكر رؤية الله ، وسار مع الجهمية ومع المعتزلة في كثير من العقائد، - والله - هذا حاصل ، ونحن نقول هذا لئلا يخدع ناس بكتب هذا الرجل ، فإنها والله مليئة بالضلالات يا إخوة ، والله في أسس الأسس وأصول الأصول ، سيد قطب يتخبط وضايع وكثير من
الشباب سيضيعون بسبب تقديسهم له وإنزالهم له غير منزلته ،
فلا تجد المعتزلي والجهمي في بدعة إلا شاركهم فيها وجلَّاها لهم ووضحها مع اﻷسف ، فهو ينكر الميزان ، والعرش ،وأشياء كثيرة ،مآزق والله .

((واﻹيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء)) المعتزلة والجهمية وأهل الضلال والباطنية ينكرون هذه الأشياء ، ((والإيمان به ، والتصديق به ، والإعراض عمن رد ذلك ، وتركُ مجادلته)) عرفتم ما يقال في المجادلة .


[تكليم الله لعباده يوم القيامة]


وَأَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُكَلِّمُ اَلْعِبَادَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِهِ .


■ الشرح ■


((مامنكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان))<11> .وسمعتم ينادي الرب - تبارك وتعالى -: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴾[فصلت ٤٨:٤٧ ] ،
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾[القصص :٦٢]. والنداء لا يكون إلا بحرف وصوت وهو الكلام ، وينادي أهل الجنة :«هل رضيتم ؟هل أزيدكم؟»<12>·فيكلم ويتكلم ، يكلم الأفراد سبحانه وتعالى ويكلم كل أحد بغير ترجمان ، ويكلم الجميع، فالله سبحانه وتعالى موصوف بهذا الكمال أزلًا
وأبدًا ،وهذا من صفات كماله ،ويكلم الأفراد يوم القيامة ، وكلم موسى وكلم محمدًا ، وكلم جبريل ، ويكلم الملائكة- تبارك وتعالى -،وهو من صفات الكمال .

الشاهد : أن الكلام يحصل للمؤمنين يوم القيامة .


~•~•~•~•~•~•~•~•


[الْإِيمَانُ بِالْحَوْضِ وَصِفَتِهِ]


وَالْإِيمَانُ بِالْحَوْضِ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَوْضًا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتُهُ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ اَلسَّمَاءِ عَلَى مَا صَحَّتْ بِهِ اَلْأَخْبَارُ والآثار مِنْ غَيْرِ وجه.


■ الشرح ■


((والإيمان بالحوض)) هذا من العقائد التي يجب أن يؤمن بها العبد ،وقد وردت في الحوض أحاديث بلغت حد التواتر وأنه يعني : «مسيرته شهر »<13>، «وطوله وعرضه سواء» <14>.
وفي الأحاديث : «أنه من المدينة إلى صنعاء »<15> ، ومن أيلة إلى صنعاء <16> ، فهو مما أكرم الله به محمدًا ﷺ ، وقال في شأنه : { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) } [الكوثر:١ - ٣] .فهذا من أفضل ما امتن الله به على عبده ورسوله محمد ﷺ وأكرمه به في الدنيا والآخرة .

ورد أن أناسًا يطردون عنه وهم المرتدون ويلحق بهم أهل البدع أيضًا ، ذكر هذا القرطبي وغيره ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر عنه أن البخاري قال : أن المراد بالذين يذادون عن الحوض ويقول الرسول ﷺ : «أصحابي أصحابي »<17> ·قال : إنهم أهل الردة، وأدخل فيهم غيره أهل البدع ، لماذا ؟


~•~•~•~•~•~•~•~•

قال : لأنهم أحدثوا بعده ، فأهل البدع أحدثوا بعد الرسول ، لماذا طردوا ؟ لأنهم غيروا دين الله ، وأحدثوا فيه ما ليس منه فالحديث يتناولهم.

(( وأن لرسول الله ﷺ حوضًا يوم القيامة تَرِدُ عليه أمته ،عرضه مثل طوله مسيرة شهر ،آنيته كعدد نجوم السماء )) من الذهب والفضة ،كما في« مسلم » <18> على ما صحت به الأخبار والآثار من غير وجه .هذا شئ معروف.


________________________

________________________________________________


---------------------

<١> مسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قول اللّه عز وجل:﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أْخْرَى﴾، وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟ حديث رقم (١٧٦).







________________________



<2> "مسلم": كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَءآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾،وهل رأى النبي ﷺربه ليلة الإسراء؟ حديث رقم (١٧٧).

3> مسلم:كتاب الإيمان، باب في قوله عليه السلام ((نور أنى أراه)) وفي قوله (رأيت نورًا)حديث رقم (١٧٨).

<4> قال عنه الحافظ في ((التقريب )):صدوق عابد له أوهام.

<5> قال عنه الحافظ في ((التقريب )):ضعيف. و قال عنه الشيخ الألباني في ((السلسلة الصحيحة))=




--------------------


=تحت الحديث رقم(١٦٨):الصواب فيه أن العلماء اختلفوا والراجح أنه ضعيف وبه جزم الحافظ في((التقريب))؛ولكنه ضُعِّف بسبب سوء الحفظ لا تهمة في نفسه،فمثله يحسن حديثه أو يصحح إذا توبع.

<6>قال عنه الحافظ في ((التقريب)):لم يرو عنه إلا ابن جدعان، وهو لين الحديث.








<7>البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾[الكهف: ١٠٥]ْ. ، حديث رقم (٤٧٢٩).
مسلم:كتاب صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (٢٧٨٥)٠

<8> مسند أحمد( تحقيق أحمد شاكر): مسند عبد الله بن مسعود ، حديث رقم ( ٣٩٩١).قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
وأورده الشيخ الألباني في « السلسلة الصحيحة» برقم (٢٧٥٠ ،٣١٩٢ ).






-------------------


<9>سنن الترمذي: كتاب الإيمان ،باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله،حديث رقم(٢٦٣٩).
سنن ابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، حديث رقم(٤٣٠٠).
قال الشيخ الألباني : صحيح.

<10> مسند أحمد ‹ تحقيق أحمد شاكر›: مسند عبد الله بن عمرو، حديث رقم (٦٥٨٣). قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
ابن حبان : (٢٣٢٤)، والحاكم (١ / ٥٢٨)- وصححه ووافقه الذهبي -،وقال الحافظ في « الفتح »: أخرجه النسائي بسند صحيح .








<1١>البخاري : كتاب الرقاق ، باب من نوقش الحساب عذب ، حديث رقم (٦٥٣٩).
مسلم : كتاب الزكاة ، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، حديث رقم (١٠١٦) .

<12>سبق تخريجه .




--------------------


<13> البخاري : كتاب الرقاق ، باب في الحوض ، حديث رقم (٦٥٧۹).

<14> مسلم : كتاب الفضائل ، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ،حديث رقم(٢٣۰۰).بلفظ:((عرضه مثل طوله)).

<15> البخاري: كتاب الرقاق ،باب في الحوض، حديث رقم (٦٥۸۰).
مسلم : كتاب الفضائل ، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ،حديث رقم (٢۳۰۳).

<16> البخاري:كتاب الرقاق ، باب في الحوض ،حديث رقم (٦٥۹١).
مسلم : كتاب الفضائل ، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ،حديث رقم (٢۲۹۸).

<17> البخاري : كتاب الرقاق،باب إثبات في الحوض ،حديث رقم (٦٥۸۲). =

=مسلم: كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ،حديث رقم (٢٣٠٤ ).

<18>«مسلم » :كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ،حديث رقم (٢٣٠٣ ).



الصفحة 35-36-37-38-39-40-41-42-43
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:42.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w