Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 24Jun2014, 01:49
أبو الحارث حمزه بن علي أبو الحارث حمزه بن علي غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
الدولة: ليبيا الجبل الأخضر
المشاركات: 34
افتراضي قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

الحمد لله ذي المنِّ والتوفيق والإنعام، شرع لعباده شهر رمضان للصيام والقيام، مرة واحدة كلّ عام، وجعله أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، ومطهّرا للنفوس من الذنوب والآثام، والصلاة والسلام على من اختاره الله لبيان الأحكام، واصطفاه لتبليغ شرعه للأنام، فكان خير من قام وصَام، ووفىّ واستقام، وعلى آله الأصفياء وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان على الدوام، أما بعد :
فلقد فرض الله تعالى الصيام على جميع الأمم وإن اختلفت كيفيته ووقته، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
قال الإمام البغوي رحمه الله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات. اهـ
وقال ابن كثير رحمه الله : لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في الصحيحين: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".اهـ
وقال القرطبي رحمه الله : قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} "لعل" ترج في حقهم ، كما تقدم. و " تتقون" قيل : معناه هنا تضعفون ، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة ، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن. وقيل : لتتقوا المعاصي. وقيل : هو على العموم ، لأن الصيام كما قال عليه السلام : "الصيام جنة ووجاء" وسبب تقوى ، لأنه يميت الشهوات .
وقال العلامة السعدي رحمه الله : فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى, لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربا بذلك إلى الله, راجيا بتركها, ثوابه، فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع, أوجب له ذلك, مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى.
ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام, أخبر أنه أيام معدودات, أي: قليلة في غاية السهولة.
إن تدبرت أخي في الله قوله تعالى { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }, علمت أن الله سبحانه فرض عليك الصوم ليعينك على التقوى , كما صرح بذلك جل وعز في أخر الأية , والتقوى هي فعل الطاعات وترك المنكرات بنية التقرب لله تبارك وتعالى ونتيجتها النجاة من العذاب السرمدي والحصول على النعيم الأبدي.
قال ابن حيان رحمه الله : سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم , فتجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي ، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها ، كما قال عليه السلام « فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء ».اهـ
فالصيام هو الكف والإمساك عن الشهوات المباحة من الأكل والشرب والجماع , لتضعف النفس وتنكسر شهوتها فيكون الصيام سبيلاً ومعيناً لك للكف عن الشهوات المحرمة .
وقال ابن عاشور رحمه الله : ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات .اهـ
تعلم بهذا رحمك الله بأن الصوم هو وسيلة للتقوى , فمن وجد من نفسه عدم التأثير بهذه الوسيلة , فعليه مراجعة هذه النفس الطاغية والأخذ على يديها , لئلا يكون نصيبه من الصوم الجوع والعطش كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر " , ويؤكد هذا المعنى وأن الصوم الذي لا يمنع صاحبه من المحرمات لا طائل منه إلا التعب قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح : " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( الزور ) الكذب والميل عن الحق والعمل بالباطل والتهمة . ( العمل به ) العمل بمقتضاه مما نهى الله عنه . ( الجهل ) فعل الجهل وهو السفاهة مع الناس ( فليس لله حاجة ) أي إن الله تعالى لا يلتفت إلى صيامه ولا يقبله. اهـ
فالحذر الحذر إخواني من المعاصي والصوارف والمُلهيات التي ربما أوقعتنا في هذا المصير , فترغم أنوفنا بالخسران والعياذ بالله , فما هي إلا أياماً معدودات , وقد هيأ الله لك السبيل للطاعة فاتق الله وأقبل عليه يا عبد الله . فاللهم كما بلغتنا هذا الفضل العميم , أعنا على تحصيل الأجر العظيم , والحمد لله رب العالمين.

ولله دُر القائل :
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبِ * حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما * فلا تُصَيره أيضاً شهر عصيان
واتل القران وسبح فيه مجتهداً * فإنه شهر تسبيح وقرْآنِ
كم كنت تعرف ممن صام في سلف * من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهمُ * حيا فما أقرب القاصي من الداني

وقد أحسن من قال :
فيا من أضعت العمر قد قال حكيم قبلنا * مقال بات كنقش على الحجرِ
إذا كنت لم تزرع وألفيت حاصداً * ندمت على التفريط في زمن البذرِ
فهذا زمان الزرع يا كل زارعٍ * وهذا زمان الأجر يا طالب الأجرِ
غداً سيمضي الشهر دون رجعةٍ * وسوف يزول العمر يا خيبة العمرِ
وتندم بعد الموت حين ترى اللظى * وينكشف المستور في ظلمة القبرِ
وتبكي على أيام عمرٍ أضعتها * وتسأل عوداً للحياة فلا يجري
تبيت على العصيان والناس شمرت * إلى نفحات الله في ليلة القدرِ
جهلت ولم تعلم بأنك جاهلٌ * فمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
أمّا فوائد الصوم فعظيمة الآثار في تطهير النفوس وتهذيب الأخلاق وتصحيح الأبدان، فمنها : ما يعوِّد نفسه على الصبر والتحمّل على ترك مألوفه، ومفارقة شهواته عن طواعية واختيار، بحيث يكبح جماح شهوته ويغلب نفسه الأمارة بالسوء فيحبسها عن الشهوات لتسعد لطلب ما فيه غاية سعادتها وقبول ما تزكو به ممّا فيه حياتها الأبدية، فيضيق مجاري الشيطان بتضييق مجاري الطعام والشراب، ويُذكّر نفسه بما عليه أحوال الجائعين من المساكين، فيترك المحبوبات من المفطرات لمحبة ربِّ العالمين، وهذا السّرّ بين العبد ومعبوده هو حقيقة الصيام ومقصوده، ومنها أنّه يُرقّق القلب ويلينه لذكر الله فيسهل له طريق الطاعات.
ومن فوائد الصيام: أنّه موجب لتقوى الله في القلوب وإضعاف الجوارح عن الشهوات قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، في معرض إيجاب الصيام لأنّه سبب للتّقوى لتضييق مجاري الشهوات وإماتتها، إذ كلّما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلّما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي، ومن فوائده الطبّيّة صحّة البدن لأنّه يحمي من اختلاط الأطعمة المسبّبة للأمراض ويحفظ -بإذن الله- الأعضاء الظاهرة والباطنة كما قرّره الأطبّاء
اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، ووفّقنا للتزّود من التقوى قبل النّقلة، وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 16:36.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w