Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 03Oct2019, 21:32
أبو أنس عبد الحميد الليبي أبو أنس عبد الحميد الليبي غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Dec 2015
الدولة: دولة ليبيا.
المشاركات: 172
افتراضي رسالة في بعض أحكام المساجد

رسالة في بعض أحكام المساجد

إن الحمد لله نحمده، و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه و رسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، [سورة آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، [سورة النساء: 1]
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً * سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، [سورة الأحزاب: 70-71]
أَما بعد :
فإن المساجد في الشريعة الإسلامية لها مكانة عظيمة فهي أحب البقاع إلى الله جل وعلا، ونسبتها إليه جل وعز نسبة تشريف وتعظيم، كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا}، [سورة الجن: 18]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ}، [سورة التوبة: 18]، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}، [سورة البقرة: 114]، فنسبة المساجد لله تبارك وتعالى إنما هي نسبة تشريف وتعظيم.
والمساجد هي البيوت التي ذكرها الله في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}، [سورة النور: 36].
وجاء في الحديث أن المساجد أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا " رواه مسلم برقم(671)، وفي رواية: من حديث جبير بن مُطعِم، أن جبريل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: " أنَّ أحسنَ البقاعِ إلى اللهِ المساجدُ، وأبغضَ البقاعِ إلى اللهِ الأسواقُ "، رواه أحمد برقم(14566)، وهو في صحيح الترغيب للألباني برقم(325).
فأحب البيوت أو البقاع إلى الله سبحانه وتعالى لأنها تقام فيها الصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ويذكر فيها اسمه سبحانه تعالى، من التسبيح والتهليل، وقراءة القرآن، وغيرها من أنواع العبادات، وتقام فيها حلق العلم، ومن الآثار الإيمانية والتربوية في المساجد التعارف والتحاب و التآخي والتواد بين المسلمين وهذا مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، فالمساجد محل نزول السكينة ونزول رحمته سبحانه وتعالى وهذه من فضله سبحانه وتعالى، جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "...وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ..."
والأسواق أبغض البلاد أو البقاع إلى الله عز وجل؛ لأنها يكثر فيها الحلف الكاذب، والغش والخداع، والتشاحن، والغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى وغيرها من الأمور المنكرة.
و لأهمية أمر المساجد كتبت هذه الرسالة المختصرة، وجعلتها على شكل فصول، نسأل الله تعالى أن ينفع بها كاتبها و قارئها وناشرها كما أسأله الإخلاص في القول والعمل، إن ربنا لسميع الدعاء.
والحمد لله رب العالمين.
....................................


الفصل الأول:
تعمير المساجد من صفات أهل الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ}، [سورة التوبة: 18]، وعمارة المساجد تكون بالصلاة والذكر وقراءة القرآن وحلق العلم، وغيرها من أنواع العبادات، فهذه هي العمارة الحقيقية، التي يحصل بها الهداية والتوفيق من الله جل وعلا، لا بالشرك وبالبدع والخرافات والخزعبلات كما يفعل الرافضة المجوس وغيرهم من أهل البدع والضلال، وتكون عمارة المساجد أيضًا بالاعتناء بها بالنظافة والطهارة من النجاسات والقاذورات، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : " ...أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ "، رواه أبو داود برقم(455)، والترمذي برقم(594)،و ابن ماجه برقم(758)

الفصل الثاني:
حصول الفضل العظيم من الذهاب إلى المسجد والمكوث فيها.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ"، رواه البخاري برقم(662)، ومسلم برقم(669)، وأحمد برقم(10608)،
والمراد بالغدو في الحديث الذهاب إلى المسجد، وبالرواح الرجوع إلى البيت، والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه.
ويحصل أيضًا من الذهاب للمساجد تكفير الذنوب والخطايا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً" رواه البخاري برقم(477)، ومسلم(666).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ، كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ".، رواه ابن ماجه برقم(800)، وأحمد برقم(8350)، باختلاف يسير في الفظ. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم(5604).
توطن أي التزم حضورها والمكوث فيها لعبادة الله جل وعلا، وهذا الحديث فيه صفه البشبشة لله عز وجل وهي صفة فعلية وعلى ظاهرها بلا كيف، وهذه طريقة السلف في صفات الله تبارك وتعالى إبقاؤها وإمرارها على ظاهرها، خلافًا لطريقة أهل البدع والأهواء، وفي هذا الحديث فضل المكوث في المسجد لعبادة الله سبحانه وتعالى، وجاء عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "ومِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلٌهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلّا ظِلُّهُ رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ".، أي: شديد الحب والتعلق بالمساجد يتردد عليها ويلازم المكوث فيها لعبادة الله تبارك وتعالى.

الفصل الثالث:
خصت بعض المساجد بفضل عظيم كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ".، رواه البخاري برقم(1190)، و الترمذي برقم(325)، وفي لفظ لمسلم برقم(1394)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"
عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ".رواه ابن ماجه برقم(1406)، وأحمد برقم(15271)،
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الصَّلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِئَةِ أَلْفِ وَالصَّلاَةِ، فِي مَسْجِدِي بِأَلْفٍ وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِ مِئَةِ صَلَاةٍ "، رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمه في صحيحه، وانظر تخريجه في الإرواء للمحدث الألباني برقم(1130).

الفصل الرابع:
ما جاء في فضل مسجد قباء من الأجر والثواب من الله جل وعلا .
فَعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.، رواه البخاري برقم(1193)، ومسلم برقم(1399)، و النسائي برقم(698).
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةٍ سَهْلٍ بْنِ حَنِيفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ ".، رواه النسائي برقم(699)، وابن ماجه برقم(1412)، و أحمد يرقم(15981)، وهذا لفظ ابن ماجه.
وعن أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ."، رواه الترمذي برقم(324)، و ابن ماجه برقم(1411)، أي: في الأجر والثواب .

الفصل الخامس:
لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاث المسجد الحرام، و المسجد النبوي، والمسجد الأقصى .
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ".، ومسلم برقم(1397)، وفي لفظ البخاري برقم(1197)، من حديث أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى" .
وهذه الأحاديث فيها رد على أهل البدع والضلال من الرافضة الأنجاس وغيرهم من الصوفية القبورية، من شد الرحال إلى ما يسمى بالأولياء والصالحين والحسينيات البدعية الخرافية ، وما يفعل عندها من الشرك والكفر بالله جل وعلا وشتى أنواع البدع والضلال .

الفصل السادس:
من أشراط الساعة التباهي بالمساجد
عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ ".، رواه أبو داود برقم(٤٤٧)، وابن ماجه برقم(٧٣٩)، وأحمد برقم(12379)، وفي رواية عند النسائي برقم(٦٨٩)،" مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ "
قال صاحب كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود " يتباهى: أي يتفاخر في شأنها أو بنائها يعني يتفاخر كل أحد بمسجده ويقول: مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن رياء وسمعة واجتلابا للمدحة. قال ابن رسلان: هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره صلى الله عليه وسلم عما سيقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلما وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية انتهى.

الفصل السابع:
عدم إقامة الحدود في المساجد .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ ".
رواه ابن ماجه برقم (2599)، والترمذي برقم(1401)
في هذا الحديث النهي عن إقامة الحدود في المساجد كالرجم، أو قطع اليد، أو الجلد، أو نحوها من الحدود وذلك لصونها وحفظًا لحرمتها فإنها تؤدي إلى رفع الصوت والصراخ في المسجد وإلى تلويثها بالدم ونحوه، والمساجد إنما بنيت لذكر الله جل وعز و إقامة الصلاة وغيرها من العبادات.

الفصل الثامن:
النهي عن إنشاد الضالة داخل المسجد، والبيع والشراء، وأن ينشد فيه شعرا، والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.
فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ".رواه أبو داود برقم(1079)، وأحمد برقم(6676)، وابن ماجه برقم(766).
هذا الحديث فيه النهي عن البيع والشراء في المساجد، والمساجد ليست مكانًا للبيع والشراء ولا الإجارة ونحوها من العقود وإنما مكانها الأسواق وغيرها، والأصل في النهي التحريم حتى يأتي ما يصرف هذا النهي، وفي الحديث إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فادعوا عليه ، أخرج الترمذي برقم(1321)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ...".
ومن الأمور المنهي عنها في المسجد إنشاد الضالة فيه أي: طلبها ورفع الصوت بها والسؤال عنها من حيوان وغيره جاء في رواية عند مسلم برقم(569)، أن رجلا نشد ضالة في المسجد عن جمل أحمر فدعا عليه صلى الله عليه وسلم لا وجدت، فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ".،أي بنيت المساجد لعبادة الله جل وعلا، وهذا فيه عقوبة وزجر لمن ينشد ضالة أو نحوها في المسجد، وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ". رواه مسلم برقم(568).
وفي لفظ عند الترمذي برقم(1321)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا : لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ".
وكذلك من الأمور المنهي عنها في هذا الحديث إنشاد الشعر في المسجد، والشعر منه ما هو حسن ومنه ما هو قبيح، أخرج البخاري في الأدب المفرد برقم(٨٦٥)، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلاَمِ حَسنُهُ كَحسَنِ الكَلاَمِ وقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الكَلاَمِ "
وجاء في الحديث عن أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً ".، رواه البخاري برقم(6145)، وأبو داود برقم(5010)، وابن ماجه(3755)، أي قولا صادقا مطابقا للحق معبر عن الخبرة والتجربة موافق الحق، ومن أعظم الناس جرمًا شاعر يهجو قبيلة بأسرها، فعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إِنَّ أِعظَمَ النّاسِ جُرْماً إِنسانٌ شاعرٌ يَهْجُو القبيلَةَ مِنْ أسْرِهَا "، رواه البخاري في الأدب المفرد برقم(874).
ويقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح، ولا بأس أن يكون الإنسان شاعراً؛ إذا كان ينظم المسائل المفيدة، كما في العلوم الشرعية، وما يساندها من العلوم العربية، وكذلك حتى علم التوحيد فها هي الكافية الشافية في اعتقاد الفرقة الناجية، وها هي النونية لابن القيم كلها نظم، وهي في التوحيد، وها هو ابن عبد القوي رحمه الله كان له نظمٌ طويل على قافية الدال في الفقه يبلغ حوالي أربعة عشر ألفاً، وما زال العلماء يفعلون ذلك، وأما من يستدل بكراهة الشعر بقوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون}. فنقول لهم: اقرأ الآيات حتى تكملوها فيتبين لكم الأمر: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم ترَ أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ فاستثنى الله عز وجل من الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، وأنهم في كل وادٍ يهيمون، فإذا لم يكن الإنسان على هذا الوصف، فإنه لا بأس به، وها هو حسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد الشعر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انتهى بتصرف
المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب > الشريط رقم [270]
وكذلك من الأمور المنهي عنها في هذا الحديث حلق العلم قبل صلاة الجمعة .
قال صاحب كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود: قال الخطابي: إنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة والذكر فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك، وقال الطحاوي: النهي عن التحلق في المسجد قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به. وقال العراقي: وحمله أصحابنا والجمهورعلى بابه لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف الأول فالأول. قاله السيوطي.انتهى .
وسئل العلامة الفقيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ما حكم التحلق في المسجد قبل صلاة الجمعة ؟
فأجاب بقوله: ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن التحلق يوم الجمعة، وذلك لأن التحلق يوم الجمعة يؤدي إلى تضييق المسجد على المصلين القادمين إليه، لاسيما إذا كانت الحلق قريبا من كثرة الحضور وكان المسجد ضيقا، فإن ضررها واضح جدا، أما إذا لم يكن فيها محذور فإنه لا محظور فيها؛ لأن الشرع إنما ينهى عن أشياء لضررها الخالص أو الغالب. والله أعلم.
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (16/159-160)
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن حُكم الوعظ في المسجد يوم الجمعة قبل الخطبة ؟
جواب: سبق أن ورد إلى اللجنة الدائمة سؤال سائل لهذا السؤال أجابت عنه بالفتوى رقم 2015 الآتي نصها :
لا ينبغي إلقاء المواعظ و الدروس يوم الجمعة قبل الجمعة لما روى أبو داود و النَّسائي و الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن التَّحلق قبل الصلاة يوم الجمعة .
و التحلق التجمع للعلم و المذاكرة ، و لما في ذلك من شغل المجتمعين لصلاة الجمعة عن الذكر و التلاوة و صلاة النافلة و تهيئة الصفوف ، و إعداد النُّفُوس لاستمَاع الخطبة ، و الإصغاء إليها التي أمر الله بها على لسان رسوله صلى الله عليه و سلَّم .
و الدُّروس و المواعظ قبلها ـ إذا كثرت و توالت قد تقلل من شأنها و أثرها في النُّفُوس و ذلك منافٍ للحكمة التي شرعت من أجلها ، و لأن فيها إذا اعتنى بها و اختير لها من يصلح ما يفيد و يفتي عن مواعظ و دروس تلقى بين يديها ، و أيضا ما كان عليه الصلاة و السَّلام و لا خلفاؤه يفعلون ذلك ، و الخير في اتِّباع هديه صلى الله عليه و سلم و هدى خلفائه الرَّاشدين رضوان الله عليهم و ذلك فيما يكثر و يغلب أما إذا دعت الحاجة لايضاح و بيان أمرٍ يهم المسلمين أو لَهُ عَلاَقة بصلاة الجُمعَة أو خطبتها و نحو ذلك ، و نبَّه عليه دون أن يكون له صفة الاستمرار و التَّوالي فلا بأس في ذلك إن شاء الله.

اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة و الإفتاء الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز. نائب رئيس اللجنة : عبد الرزاق عفيفي.
عضو :عبد الله بن غديان.عضو :عبد الله بن قعود.
الفتوى رقم 2716 و تاريخ 9/1/1400هـ

الفصل التاسع:
حث الإسلام على نظافة المساجد مما يشينها، وتطيبها بالروائح الطيبة وتجنيبها الروائح الكريهة، والقاذورات، والنجاسات وإزالة النتن والعذرات والتراب منها.
فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : "...أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ " أي المساجد، رواه أبو داود برقم(455)، والترمذي برقم(594)،وابن ماجه برقم(758).
وعَنْ أَنَسْ بْنِ مَالَكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " البُصاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا " رواه البخاري برقم(415)، و مسلم برقم(552)، وأبو داود برقم(474)، والترمذي برقم(572) وغيرهما .
قال: النووي في شرحه على مسلم: وأعلم ان البزاق في المسجد خطيئة مطلقًا، سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب؛ لان البزاق خطيئة كما صرح به الرسول صلى الله عليه وسلم .انتهى
وَعَنْ أَبِي ذَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لا تُدْفَنُ " رواه مسلم برقم(553).
قال النووي في شرحه على مسلم: هذا ظاهر أن القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو نحوه .انتهى.
وجا في الحديث إخراج من أكل الثوم أو البصل من المسجد، أخرج مسلم في صحيحه برقم(567)، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال: "... أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا ".، رواه والنسائي برقم(708)، وابن ماجه برقم(1014).
وهذا الحديث فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل من المسجد، ويلحق به كل ما له رائحة كريهة تأديبًا لهمُ على فعلهم من الدخول في المسجد مع الرائحة الكريهة.

الفصل العاشر:
صيانة المساجد من مظاهر الشرك والبدع.
من بنائها على القبور أو إدخال القبور إليها، وأن لا تُجعل مقابر يدفن الموتى فيها وجاء النهي الأكيد والوعيد الشديد على فعل ذلك .
فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما جميعًا، ذكرتا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" رواه البخاري برقم(427)، ومسلم(528)، والنسائي برقم(704)، وأحمد(24252)، في هذا الحديث وصف من يفعل ذلك بأنه من شرار خلق الله جل وعلا نسأل الله السلامة والعافية،
وقال الحافظ بن حجر العسقلاني الحديث دليل على تحريم التصوير، وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه .
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزٌبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جميعًا، قَالاَ: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا". رواه البخاري برقم(436)، ومسلم برقم(531).
وعَنْها أيضًا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" قَالَتْ: "فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أو خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" رواه البخاري برقم(1390)، ومسلم برقم(529).
وَعَنْ جُنْدُبٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولَ: "... أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ". رواه مسلم برقم(532).
قال النووي في شرحه على مسلم : "قال العلماء: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتنان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قال في الحديث: لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا"، والله تعالى أعلم بالصواب.انتهى.
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ".، رواه مالك في الموطأ برقم(472).
وفي هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها تحريم بناء المساجد على القبور، أو إدخال القبور إليها، أو تُجعل مقابر لدفن الموتى فيها، وأن هذا الفعل من أفعال اليهود والنصارى وسدا للذريعة وحماية لجناب التوحيد، وهذه الأحاديث فيها النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك، منها أن من يفعل ذلك يكن من شرار خلق الله تبارك وتعالى، وبفعلهم هذا يستحقون لعنة الله جل وعلا عليهم، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تبارك وتعالى، ومنها أيضًا اشتداد غضب الرب تبارك وتعالى عليهم، ومن يغضب الرب تبارك وتعالى عليه فأي خير وأي فلاح يرجوه أو ينتظره.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، فعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا ".، رواه مسلم برقم(972)، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه،
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ "، رواه أبو داود برقم(492)، والترمذي برقم(317)، وابن ماجه برقم(745).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ". رواه البخاري برقم(432)، و مسلم برقم(777).
وهذه النهي للتحريم، وقال المحدث الألباني في كتابه أحكام الجنائز - "سواء كان القبر أمام المصلى أو خلفه أو عن يمينه أو عن يساره، لعموم الأحاديث". انتهى.(ص274)، سداً لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد، واستثنى بعض العلماء صلاة الجنازة لورود بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك .، والله ألعلم.
ونختم بكلام نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاوى ابن قاسم رحمه الله: (ج22/ص120) طبعة المكتبة التوفيقية .
قال: " اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر؛ إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يُزال المسجد وإما أن تُزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يُصلى فيه فرض ولا نفْل؛ فإنه منهي عنه " انتهى بتصرف.

فعلى المسلمين اليوم أن يحذو حذو الأسلاف، وأن يُطهروا مساجدهم من مظاهر الشرك بالله والبدع، وسد الأبواب المفضية إلى ذلك، لتسلم لهم مساجدهم من الأمور المنكرة من مشابهة مساجد اليهود والنصارى، ويحفظُ عقيدتهم من الزيغ والانحراف، والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين .

كتبه راجيًا الثواب من الله تعالى:
أبو أنس عبد الحميد بن علي بن محمد الليبي.
ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شهر الله المحرم
عام واحد وأربعين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية .
__________________
قَالَ الإمام أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل رَضِي الله عَنهُ:
(أصُول السّنة عندنَا التَّمَسُّك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والإقتداء بهم وَترك الْبدع وكل بِدعَة فَهِيَ ضَلَالَه)، (( كتاب أصول السنة))
رابط مدونةُ أبي أنس عبدالحميد بن علي الليبي وفقه الله تعالى.
abdlhmidAbnAli.blogspot.com
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:10.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w