Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 08Dec2019, 02:35
أبو عبيدة إشتيوي المكي أبو عبيدة إشتيوي المكي غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 250
افتراضي طَوقُ الحَمَامْ فِيمَا جَاءَ مِنْ أنَّ العَالِمَ يُفتِي ويُعَلِّم الناسَ عَلَى أَيِّ هَيئَةٍ كَانْ



[ طَوقُ الحَمَامْ فِيمَا جَاءَ مِنْ أنَّ العَالِمَ يُفتِي ويُعَلِّم الناسَ عَلَى أَيِّ هَيئَةٍ كَانْ ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فإنَّ الناظرَ في السُّنَّة النبَويّة ، والآثار المَرويَّة عن السلف ، وطريقة أهل العِلم قديماً وحديثاً في نِشر العِلم وتَعلِيمه الناس ؛ يَجد أنَّهم لم يَكونوا يَلتَزمُونَ هيئة معيّنة ، أو حالا مُعيّنا يكونُون عليه حِينَ نَشرهم العلمَ ، بل كانُوا يَنشرون العلمَ ويَبثّونَه ويُعَلِّمونَه الناس على أيِّ هَيئَةٍ وحالٍ كانوا عليها ؛ فمنهم من كانَ يَدعو ويُسئَل ويُعَلِّم وهو في السوق ، ومنهم من كانَ يَدعو ويُسئَل ويُعَلِّم وهو في الطريق ماشياً كانَ أو راكباً ، وآخر كان على دَابّته ، وآخر وهو في الساحات وأمام أبوابِ المسَاجد ، ونحو ذلك ؛ وإن كانَ الغالب عليهم أنّهم كانُوا يَدعُونَ ويُعَلِّمُونَ الناسَ في المسَاجد ، ولكن لا يَلزم مِنهُ التِزامهم ولا إلزَامهم ذلك ، أو عدم جَواز غير ذلك كما يَظهر من مجموع ما سَيأتي إن شاء الله ، وعلى هذا يكون أصل هذه المسألة وهي : أن العالمَ يجوز له نَشر العِلم وتعليمه بين الناس على أيِّ هيئةٍ كانَ عليها حِينَ نشره وتَعلِيمِه ، ولا حرجَ ولا نَقصَ ولا عَيبَ ولا مَطعَنَ فِيمَن فَعلَ ذلكَ من أهل العِلم والفَضل إن شاء الله تعالى ، ومِمَّا يدل على ذلك :

- ما بوّب به الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه فقال : ( بَابُ القَضَاءِ وَالفُتْيَا فِي الطَّرِيقِ )

- ثم قال : وَقَضَى يَحيَى بنُ يَعمَرَ فِي الطَّرِيقِ - وَقَضَى الشَّعبِيُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ .

ثم أورد حديث أنس - رضي الله عنه - قال - : "بَينَمَا أَنَا والنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ المَسجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِندَ ( سُدَّةِ المَسجِدِ ) ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ... الحديث .

- وقد وصلَ أثر يحي بن يَعمَر ابنُ سعد في الطبقات ( برقم: ٣٦٢٢ ) فقال : أخبرنا شَبَابَةُ بن سَوَّار قال أخبرنا أبو الطيب موسى بن يسار قال : " رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ عَلَى القَضَاءِ بِمَروَ، فَرُبَّمَا رَأَيتُهُ يَقضِي فِي السُّوقِ وَفِي الطَّرِيقِ، وَرُبَّمَا جَاءَهُ الخَصْمَانِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، فَيَقِفُ عَلَى الْحِمَارِ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا.

- وأخرج الإمام البخاري في تاريخه ( برقم: ٢٧٢١ ) عن حميد بْن أَبِي حكيم أنه : "رأى يَحيَى بن يعمر يقضي فِي الطريق" .

-وأما أثر الشعبي فقد أخرجه ووصله ابنُ سعد كذلك في الطبقات تحت ترجمته (برقم: ٢٣١٦ ) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين فقال : حدثنا أبو إسرائيل قال : "رأيت الشعبي يَقضِي في الزَّاوِيَةِ التِي عِندَ بَابِ الفِيلِ".

ومعنى سُدَّة المسجد : باب المسجد . وقيلَ الساحة التي أمامه .

-ثم بوّب الإمام البخاري - رحمه الله - فقال : ( بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا ) و ( باب الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ ) و ( بَابُ الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ )

- ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - وفيه أن النبي ﷺ كان واقفاً على ناقتِهِ يُجيبُ الناسَ ويُفتيهم فيما يُشكِل عليهم .

-قال الحافظ في الفتح( ١ /١٨٠ ) ... وَمُرَادُهُ أَنَّ العَالِمَ يُجِيبُ سُؤَالَ الطَّالِبِ وَلَو كَانَ رَاكِبًا . انتهى

( قوله واقفا على ناقته : أي راكبا! ) .

- وقال في الفتح ( ٣ / ٧١٩ ) : في مَعرض ردّه على اعتِراض الإسماعيلي على إفرادِ البخاري لترجمة ( بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِندَ رَمْيِ الْجِمَارِ ) وذِكرِ اسمِ المكان فقال : أَنَّ سُؤَالَ العَالِمِ على قَارِعَةِ الطَّرِيقِ عَمَّا يَحتَاجُ إِليه السَائل لانقصَ فيه على العَالِمِ إِذَا أَجَابَ ، وَلَا لَومَ على السّائِلِ .

- ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح ( ١٣ / ١٣٢ ) عن المُهَلَّبِ أنه قال : الفُتيا في الطريق وعلى الدابة ونَحوُ ذلِك من التَّوَاضُع ...

وقال : قَالَ ابن المُنَيِّرِ : لَا تَصِحُّ حُجَّةُ مَنْ مَنَعَ الكَلَامَ فِي العِلمِ فِي الطَّرِيقِ ... وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَطَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ لَهُمْ لِيَسْأَلُوهُ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي سُؤَالِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ سَائِرٌ مَاشِيًا وراكبا كَثِيرَة!.

-وقال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح ( ٣ / ٤٢٢ ) : مراد البخاري بهذا التبويب الاستدلال عَلَى جواز سؤال العالم وإن كان مُشتغلًا؛ راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كل أحواله ، ولو كان في طاعة...

- وأخرج الإمام البخاري في صحيحه ( برقم: ١٥١٣ ) والإمام مسلم في صحيحه ( برقم: ١٣٣٤ ) : من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -أن امرأةً من خَثعم سألت رسول الله ﷺ وهو على الدابّة والفَضل رديفه فأجابها النبي ﷺ وهو على دابّته .

- وجاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه كما في البخاري ( برقم : ٢٨٥٦ ) ومسلم ( برقم : ٣٠ ) : "أنه قال : كنتُ رديف النبي ﷺ على حِمار فقال لي يا معاذ أتدري ما حقّ الله على العباد وما حقّ العباد على الله فقلتُ الله ورسوله أعلم ... الحديث .

- وجاء في مسند الإمام أحمد ( صحيح / برقم: ٢٠٥٨٨ ) وأصله في صحيح مسلم : ( برقم: ٨١٠ ) : عن أبي السليل وهو ضُرَيب ابن نُقَي قال : قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَثَرُوا صَعِدَ عَلَى ( ظَهْرِ بَيْتِهِ ) فَحَدَّثَهُمْ مِنْهُ . فيه انقطاع وقد وصله المصنف ( برقم: ٢١٢٧٨ ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أُبَيٍّ بن كعب ... مختصرا

-وجاء في مسند الإمام أحمد ( برقم: ١٤٤٥٦ ) وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة (١ / ١٣٣ تحت رقم: ٦٣ ) : من حديث جابر - رضي الله عنه أن النبي ﷺ مكث بِمَكَّةَ عَشرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِم بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ ، وَفِي المَوَاسِمِ بِمِنى ، يقول : مَن يُؤْوِينِي ؟ مَنْ يَنصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رسَالَةَ ربِّي، ولَهُ الجَنَّةُ ؟ ... الحديث .

يدعوهم إلى الله ويُعلّمهم التوحيد! .
وعُكَاظ وَمَجَنَّة : أسواقٌ من أكبر الأسواق في ذلك الوقت! .

- وجاء في سنن الترمذي ( برقم: ٢٥١٦ ) وصححه الإمام الألباني من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه كان خلف رسول الله ﷺ فقال : يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ... الحديث .
( وخلفه أي : رديفه على دابّة ) .

- وجاء في سنن النسائي ( برقم: ٤٨٦ ) وصححه الإمام الألباني من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - : وفيه أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن عَمَلٍ يُدخله الجنة فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته.

-قال شيخنا محمد علي آدم الاتيوبي في شرحه على النسائي ( ٦ / ١٣٣ ) فيه : جواز الإفتاء، وهو على الدابة، وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب العلم، فقال : "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"؛ فأخرج حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه ... الحديث.

- وجاء عَنْ هُبَيرَةَ بنِ يَرِيمَ كما في الحِلية لأبي نعيم ( ٤ / ١٣٤ ) وانظر السير للذهبي ( ٤ / ١٠٢ ) قال : جَمَعَ عليٌّ – رضي الله عنه - النَّاسَ فِي الرَّحبَةِ، وقال:إِنِّي مُفَارِقُكم، فَاجْتَمَعُوا فِي الرَّحْبَةِ، فَجَعَلُوا يَسأَلُوْنَهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُم، وَلَم يَبقَ إِلاَّ شُرَيْحٌ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ.

-وجاء في تاريخ بغداد ( ١٤ / ٣٠٧ ) : في قِصّة أحمد الرمادي والإمام أحمد وأبي زكريا يحي بن معين وفيها : أن ابنَ معين أرادَ امتِحان أبي نُعيم الفضل بن دكين رحمه الله في حِفظِهِ ، فقال له الإمام أحمد : لا تَفعل فالرجل ثقة ، فقال : يحي لابُد لي ، فأخذ ورقةً فكتبَ فيها ثلاثين حديثا ، وجعَل على رَأسِ كُلِّ عَشرَةٍ مِنها حَدِيثا ليسَ مِن حَدِيثه ... فلما جاؤوا إلى أبي نعيم الفضل بن دكين خرجَ ( فجلس على دُكَّانِ طِيْنٍ حذاء بابه ) ... الخ .

- وجاء عن عمر بن حفص السَّدُوسِيُّ كما في تاريخ بغداد ( ١٤ / ١٧٠ ) أنه قال : سَمِعنا من عَاصِمِ بنِ عَلِيٍّ، فَوَجَّهَ المُعتَصِمُ مَن يَحزِرُ مَجلِسَه في رَحبَةِ النَّخْلِ الَّتِي فِي جَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَكَانَ يَجلِسُ عَلَى سَطحٍ، وَيَنتَشِرُ النَّاسُ، حَتَّى إِنِّي سَمِعتُهُ يَوماً يَقُول : حَدَّثَنَا اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ، وَيُستَعَادُ، فَأَعَادَ أَربَعَ عَشرَةَ مَرَّةً، وَالنَّاسُ لاَ يَسمَعُونَ، وكان هَارُونُ المُستَملِي يَركَبُ نَخلَةً مُعْوَجَّةً يَسْتَملِي عَلَيها، فَبَلَغَ المُعتَصِمَ كَثْرَةُ الخَلقِ، فَأَمَرَ بِحَزْرِهِم، فَوَجَّهَ بِقطَاعِي الغَنَمِ، فَحَزِرُوا المَجْلِسَ عِشْرِيْنَ وَمائَةَ أَلْفٍ .

- وجاء عن أَيوبَ السختياني كما في السير للذهبي ( ٥ / ١٨ ) أنه قال : كُنتُ أرِيدُ أَن أَرحل إِلى عِكرِمَةَ، إِلى أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ، فَإِنِّي لَفِي سُوقِ البَصرَةِ، إِذَا رَجُلٌ عَلَى حِمَارٍ، فَقِيْلَ لِي : عِكْرِمَةُ ، فَاجتَمَعَ النَّاسُ إِلَيهِ، فَقُمتُ إِلَيهِ، فَمَا قَدِرتُ عَلَى شَيءٍ أَسأَلُهُ ، ذَهَبَتْ مِنِّي المَسَائِلُ، فَقُمتُ إِلَى جَنبِ حِمَارِهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسأَلُوْنَهُ، وَأَنَا أَحفَظُ .

- وجاء عن عَمْرُو بنُ الحَارِثِ الأنصاري المِصْرِي كما في السير للذهبي ( ٦ / ٣٥٣ ) أنه : كان يَخرُجُ مِن دَارِه ، فَيَرَى النَّاسَ صُفُوفاً، يَسأَلُونَهُ عَنِ القُرآنِ، وَالحَدِيثِ، وَالفِقْهِ، وَالشِّعرِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَالحِسَابِ.

- وجاء عن عَلِي بن عَبدِ اللهِ المديني في السير ( ٧ / ٤٥٢ ) أنه قال : قُلتُ لِيَحيَى : حَمَلتَ عَن حَمَّاد بن سَلَمَةَ إِملاَءً ؟ قَالَ : نَعَم ، إِملاَءً كُلَّهَا، إِلاَّ شَيئاً كُنتُ أَسأَلُه عَنْهُ فِي السُّوْقِ، فَأَتَحَفَّظُ .
قُلتُ لِيَحْيَى : كَانَ يَقُولُ : حَدَّثَنِي، وَحَدَّثَنَا؟ قَالَ : نَعَمْ، كَانَ يَجِيْءُ بِهَا عَفْواً، حَدَّثَنِي وَحَدَّثَنَا.

- وجاء عن أَحمد بن محمد بن مَرْدَوَيْه كما في السير للذهبي ( ١٧ / ٤٥٩ ) أنه قال : كان أَبُو نُعَيمٍ ( المهراني ) في وقته مرحُولاً إِلَيهِ، ولم يَكُن في أُفُقٍ من الآفَاقِ أَسندُ ولا أَحفظ مِنهُ، كان حُفَّاظُ الدُّنْيَا قَدِ اجتمعُوا عِندُه، فَكَانَ كُلّ يوم نَوْبَة واحد مِنهم يقرأُ ما يُرِيدُهُ إِلَى قَرِيب الظُّهر، فَإِذَا قَام إِلى داره، رُبَّمَا كَانَ يُقْرَأ عَلَيهِ فِي الطَّرِيق جُزءٌ، وكان لاَ يَضجَرُ، لَم يَكُن لَهُ غَدَاءٌ سِوَى التَّصنِيف وَالتَّسمِيع .

-وذكر السخاوي في الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الاسلام ابن حجر ( ٢ / ٦١٤ ) : "أنه في حال سَيره إلى مكة المشرفة، وهو على راحلته، ناوله بعض المسافرين، وهو الشيخ شرف الدين يونس الواحي فُتيا، فثنى رجله، وكتبَ . هذا مع شغل باله بأمر السَّفر، إِلَّا أنه أحبّ المزيد مِنْ الأجر، لما فيه مِنَ الإرشاد وإغاثة الملهوف ، وقد قال المهلب في "شرحه" للبخاري: إن الفُتيا في الطريق، أو على الدابة ونحو ذلك مِنَ التَّواضع ...

وغير ذلك من الأحاديث والآثار..

وأمَّا ما جاء عن العلماء المُعاصِرين فحدِّث عن ذلكَ ولا حرج ؛ فقد كان الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله يُعَلِّم طلابَه في بعض الساحات كما أخبرني بذلك بعض طلابه ، وكذلك الشيخ مقبل رحمه الله كان يُفتي ويُعلّم الناسَ على أيِّ هيئة كانَ عليها ؛ في المسجد أو الطريق أو تَحتَ الأشجار كما كان يُدرّس طلابَه في المزرعة التي بِجانِب مسجده وكان يقول : الحمد لله أهل السنة منصورون حتى وإن أُخذَت المساجد من أيديهم ( أي من قِبَل الصوفية ونحوهم! ) وإن جَلسوا يدرسّون في الشوارع والأزقّة! ، وكذلك شيخنا ربيع السنة فقد كان يُفتي ويُعَلّم ويَنشُر العلمَ كتاباً وسنَّةً في بيته ، وفي سيارته ، وهو خارج من بيته ، وهو راجع له وغير ذلك ، وقال شيخنا صالح الفوزان حفظه الله قد كان هذا مَعمولًا به في هذه البِلاد إلى عَهدٍ قَريب ، وهو أن العالم أو المُفتي أو القاضي يَخرج إلى السوق ويُنصَب له كرسي في السوق ويُلقي درساً ويَستَمع الناس إليه ويَستَفِيدُونَ منه ... ، وقد رأيتُ كتاباً قد صَدرَ مؤخرًا للشيخ ابن عثيمين رحمه الله بعنوان "فتاوى على الطريق في مسائل متنوعة" ، وكذلك عن غيرهم من المشايخ كثير .

* * *
فهذه الأحاديث والآثار والتبويبَات وحال أهل العِلم وكلامِهم وغير ذلك ، يدلُّ على جَواز الفُتيا ونَشر العِلم والخَير – ومنه تَعلِيم الناس - ؛ للعالم على أيّ هَيئة كانَ عليها ، سواء كانَ قائما أو جالساً ، أو على دابَة كحِمارٍ وبَعرٍ أو غيرهما ، أو على قارِعَةِ الطريق ، أو على دُكّانٍ ، أو على باب مسجد أو ساحتِه ، أو باب بيته ، أو على سطحٍ ، أو على نَخلةٍ! ، أو غير ذلك ، كسيّارة ونحوه ، وليس في ذلك ما يُعاب على العالم ، ولا ما يُستنَكر ويُستَقبَح إلا عندَ من يجهل السنة وطريقة السلف في ذلك ، وكما ذكرَ أحدُ المشايخ فقال : ( إن كثيراً من الناس قد عاشُوا في إطار وهيئة مُعينة فلا يستطيع أن يخرجَ من ذلك التصور) ؛ وهذا صحيح ، بل ربَّما تطوّر بهم الأمرُ إلى رمي من فعلَ خِلاف ما عاشُوا عليه وتّصوّروه ؛ بالبِدعة والإحداث ، فالجهل داء قاتلٌ . كما هو حال بعض التنظيمات الحَركية الحِزبية من الإخوان والسرُورِيّة وغيرهم كالطرق الصوفية ؛ من إحداثٍ لطرقٍ وأنظمةٍ وأجواءٍ عِلميّة مدروسَةٍ بكيفيٍّة مُعيّنة لمتبوعِيهم ، بحيثُ من خَرجَ عن هذا النظام والجَو العِلمي المرتّب ، والمدروس على كيفيّة معيّنَة ؛ صارَ مخالفاً للحِزب والتنظِيم أو الطريقة ، وهذا كُلّه باطلٌ وضلال ، فخير الهدي هدي محمد ﷺ وسبيل أصحابه –رضوان الله عليهم أجمعين- خير سبيل في كل شيء ؛ عقيدة ومنهجا وسلوكا ، ومن التزمَ بالسنة كما فهمها أصحابُ النبي ﷺ ؛ سلّمه الله - تبارك وتعالى - من هذه القيُود والتبعيّة العَميَاء ؛ للجماعات والطرق الحزبية أو الصوفية وكذلك للأشخاص - إن شاء الله تعالى - فإن السنة بفهم السلف سفينة النجاة! .

وأخيرا وإن كانت هذه المسألة معلومة عند أهل العلم وغيرهم ممن نوّر الله بصيرتَهم بتَعلّم السنة ومنهج السلف ودراسة ذلك إلا أنّي وجدتُ بعضَ من يَزعمُ العِلم وأنّه من أهله يَجهل ذلك فأحببتُ ذِكر شيء ممّا جاء في ذلك ؛ فإن علاج الجاهل تعليمه وإرشاده! .

والله أعلم وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


أبو عبيدة إشتيوي المكي
١١ / ربيع الثاني/ ١٤٤١ هجري
مكة

المقال في المرفقات منسق على ملف بصيغة bdf :

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 22:48.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w