Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 26Mar2019, 07:37
أبو عبدالرحمن عبدالمنعم الغرياني أبو عبدالرحمن عبدالمنعم الغرياني غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 297
افتراضي بيان خطإ أبي الفضل الصويعي أنه لم يصح عن الصحابة شيء في كون العلماء ولاة الأمور الحلقة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد: فقد بينتُ في الحلقتين السالفتين من (بيان خطإ أبي الفضل الصويعي أنه لم يصح عن الصحابة شيء في كون العلماء ولاة الأمور) مجازفةَ أبي الفضل _غفر الله له_ في تضعيف ما صح(1) عن الصحابيين الجليلين جابر بن عبدالله الأنصاري وعبدالله بن عباس الهاشمي رضي الله عنهم وأحسب أني ناقشتُه مناقشة علمية، وأن الأثرين لا ينزلان عن مرتبة الحسن ويرتقيان إلى الصحيح لغيره، بل لو ذهبنا إلى ما قاله أبو الفضل من ضعفهما فأقلّ أحوالِهما أن يَعضُدَ أحدهما الآخر فيرتقيان إلى درجة الحسن لغيره، فأنتَ ترى أن الحافظ أبا عبدالله الحاكم قال: (وله شاهد(2)) ووافقه الحافظ الذهبي، فمن المؤسف حقاً أن يقع طالب علم في مثل هذا الخطأ، فـ(ليس من طريقة أهل العلم إعلال الحديث بالطعن في فرد من أفراد الجماعة المتفقين على رواية الحديث)(3).
ثم ليعلم القارئ الكريم أنه قد جاء عن السلف في تفسير هذه الآية الكريمة خمسةُ أقوالٍ، الصحيحُ منها قولان وهما: الأمراء والعلماء(4)، كما ذكر ذلك العلامة أبو عبدالله القرطبي _رحمه الله_ في "الجامع لأحكام القرآن" (6/428-430 التركي).
والتحقيق أن الآية الكريمة تشمل العلماء والأمراء كما قال الإمام الهمام وفارس الميدان العَلَم النحرير أبو عبدالله شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية _رحمه الله_.
قال الإمام أبو محمد عبدالله ابن أبي زيد القيرواني _رحمه الله_ في "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" (3/26) : (من كتاب ابن سحنون: واختُلف في قول الله سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}, فقال أبو هريرة: أمراء السرايا, ورواه ابن وهب. وقال جابر بن عبد الله: هم أهل الفقه والدين. قال بعض العلماء(5): وطاعة هاتين الطبقتين واجبة).
وهذا القول الأخير الذي نسبه إلى بعض العلماء هو الذي قرره في "الرسالة" (ص 48 قطف الجنى الداني) حيث قال: (والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم(6)، واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم).
قال الشيخ أحمد الأحسائي _رحمه الله_ في نظمه لرسالة ابن أبي زيد (ص 53 قطف الجنى الداني) :
(وأنَّ طاعةَ أولي الأمر واجبةٌ *** من الهُداة نجوم العلم والأُمرَا)
قال الإمام ابن قيم الجوزية _رحمه الله_: (ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعارَ حزبه المفلحين، وأتباعه من العالمين ... وكان التبليغ عنه نوعين: تبليغ ألفاظ ما جاء به، وتبليغ معانيه كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:
أحدهما: حفاظ الحديث وجهابذته ونُقّاده، الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله...
القسم الثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام. فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصّ الكتاب.
قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري، وأبو العالية، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: (أولو الأمر هم العلماء). وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد(7).
وقال أبو هريرة، وابن عباس في الرواية الأخرى، وزيد بن أسلم، والسدي، ومقاتل: (هم الأمراء) وهو الرواية الثانية عن أحمد.
والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبعٌ لطاعة العلماء فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم ؛ فكما أن طاعة العلماء تبعٌ لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم لهم تبعاً، كان صلاح العالَم بصلاح هاتين الطائفتين، وفسادُه بفسادهما)(8).
وقال _رحمه الله_: (أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول)(8).
أقول: تأمل قول هذا الإمام: (الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم ؛ فطاعتهم تبعٌ لطاعة العلماء ... فطاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء)، ويأتي نحوه من كلام العلامة ابنِ العثيمين _رحمه الله_.
وفي "مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز _رحمه الله_" (7/121-122) :
(السؤال الأول: ما المراد بطاعة ولاة الأمر في الآية، هل هم العلماء أم الحكام ولو كانوا ظالمين لأنفسهم ولشعوبهم؟
الجواب: يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، وأولو الأمر هم: العلماء والأمراء أمراء المسلمين وعلماؤهم ... هذا هو الصواب في أولي الأمر، هم العلماء بالله وبشرعه وهم أمراء المسلمين، عليهم أن ينفذوا أمر الله وعلى الرعية أن تسمع لعلمائها في الحق وأن تسمع لأمرائها في المعروف).
وقال _رحمه الله_ (8/202-203) : (قال الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
فهذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر، وهم: الأمراء والعلماء، وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن هذه الطاعة لازمة، وهي فريضة في المعروف).
وقال _رحمه الله_ (4/135)(9) : (فالواجب على قادة المسلمين من العلماء والأمراء وغيرهم الاهتمام بكل مصيبة تحل أو نكبة تقع ... وأن يكون ولاة الأمر من العلماء والحكام هم القدوة الصالحة في العمل الصالح ... والأمة تبع لهم...).
قال العلامة الألباني _رحمه الله_: (الواجب هو السير على السياسة الشرعية ألا وهي (رعاية شؤون الأمة) ولا تكون هذه الرعاية إلا في ضوء الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح وبيد أولي الأمر من العلماء العاملين والأمراء العادلين فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)(10).
وقال _رحمه الله_: (فرق النصُّ القرآني في عديد من الآيات _ومن ألطفها_ فرق بين الرسول الذي يجب اتباعه لأنه معصوم بعصمة الله له وبين الآخذين عنه، فرق بأبدع عبارة فقال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}لم يُظهر الفعل في المرة الثالثة، ما قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر، وإنما قال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، وهذا كما قال ابن القيم _رحمه الله تعالى_ لإلفات النظر: أن إطاعة أولي الأمر وهم العلماء والحكام _ليس كل الحكام، وإنما الذين يحكمون بما أنزل الله_ يُطاعون تبعاً لطاعتهم لله والرسول.
أما الرسول فيطاع لأنه رسول لأنه يحكي عن الله ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فأصبحنا نحن لا نفرق بين الرسول وبين الناقل عن الرسول والفاهم عن الرسول وهم أولوا الأمر وهم الحكام)(11).
قال العلامة محمد بن الصالح العثيمين _رحمه الله_ في "شرح رياض الصالحين" (2/254) : (وأولو الأمر: يشملُ العلماءَ والأمراء، لأن العلماء ولاة أمورنا في بيان دين الله، والأمراء ولاة أمرنا في تنفيذ شريعة الله، ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، ولا الأمراء إلا بالعلماء. فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء ليستبينوا منهم شريعة الله، والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء، وأن يخوّفوهم بالله، وأن يعظوهم حتى يطبقوا شريعة الله في عباد الله عز وجل).
وقال _رحمه الله_ (3/651) : (ولاة الأمور، ذكر أهل العلم أنهم قسمان: العلماء والأمراء.
أما العلماء فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع، وتعليم الشرع، وهداية الخلق إلى الحق، فهم ولاة أمور في هذا الجانب، وأما الأمراء فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها، فصار لهم وجهة ولهؤلاء وجهة.
والأصل: العلماء ؛ لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويُلْزَمُ الأمراءُ بذلك، لكن الأمراء إذا علموا الشرع _ولا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء_ نفذوه على الخلق)(12).
قال العلامة مقبل الوادعي _رحمه الله_ في "تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب" (ص 282) : (إن الناس منذ تركوا الرجوع إلى العلماء تخبطوا يقول الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ}، وأولي الأمر هم: العلماء والأمراء والعقلاء الصالحون).
إلى هنا أكتفي بهذا القدر من النقولات عن أعلام السنة، وأعيد سؤالي(13) لأبي الفضل (لو فرضنا أن هذا القول صحيح(14)، فما قيمة ما جاء عن التابعين عندك؟!).
والله أعلم
أسأل الله سبحانه أن يجعل عملي كله صالحاً ولوجهه خالصاً، ولا يجعل لأحد فيه شيئاً إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
أبو عبدالرحمن عبدالمنعم الغرياني
فجر يوم الثلاثاء 19 رجب 1440 هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1- قال الإمام ابن القيم في "التبوكية" (ص 46 عالم الفوائد) : (والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعاً).
2- ولا تغتر بكتابة ذاك القطراني وفيها: (وأما ذكر أثر ابن عباس كشاهد لأثر جابر فبعيد من جهة أن هذا ليس خبرا مرفوعا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى عاضد) لأنه كلام من يتكلم بلا علم، وهو أحق بما رماني به من الجهل، وظاهرٌ فيه التعصب والتخبط.
3- قاله الإمام الألباني _رحمه الله_ في "الصحيحة" (2/25).
4- قال شيخ الإسلام _رحمه الله_ : (قالوا في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}أقوالاً تجمعُ العلماءَ والأمراء، ولهذا نص الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية). "مجموع الفتاوى" (18/158).
5- انظر بحثاً كتبه الحافظ الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (4/181-187).
6- قال الإمام ابن القيم: (فسّر الصحابةُ رضى الله عنهم قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}بالامراءِ والعلماءِ). "مفتاح دار السعادة" (1/192 عالم الفوائد)، وانظر منه (ص 386-387).
7- وهو اختيار إمام دار الهجرة.
8- "أعلام الموقعين" (1/13-16 عالم الفوائد)، و(3/106-107).
9- وانظر (5/201).
10- "سؤال وجواب حول فقه الواقع" (ص 50-51).
11- "متفرقات" شريط رقم (151) الفقرة (3).
12- وراجع أيضاً "شرح الرياض" (2/419)، و(3/230-231)، و"مجموع فتاوى العلامة ابن العثيمين" (21/42-43)، و(26/267-268).
13- الذي أوردته في الحلقة الأولى الفقرة (2).
ملاحظة: نبه بعض الإخوة _جزاه الله خيراً_ على خطإٍ وقع في الحلقة الأولى وهو قولي: (وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ شيخُ وكيعٍ) وهو خطأ ظاهر وغلط واضح، ولا أراه إلا سبق قلم كما يقال صوابه: (وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ تلميذُ وكيعٍ).
14- قول أبي الفضل: (مع أنه لم يصح عن الصحابة شيئًا)
__________________
(اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي!)
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 19:08.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w