عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 18Mar2013, 22:37
الخالة أم عبد الرحمن الخالة أم عبد الرحمن غير متواجد حالياً
.:: حفظها الله ورعاها ::.
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: غرب الجزائر
المشاركات: 1,891
افتراضي

قَالَ الشَّافِعِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ - : "لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةُ لَكَفَتْهُمْ".
[الشرح]
قد يَستَشكِلُ مُستَشكِلٌ أنَّ هذه السورة لا تكفي لبيان شرائع الإسلام . فنقول : ليس مُرادُ الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- أنَّ هذه السورة قد احتوت على جميع تفاصيل شريعة الإسلام ، ليس هذا مُراده -رحمه الله –، ولكن مُراده -عليه رحمة الله تعالى- أنَّ هذه المسائل الأربعة المذكورة في هذه السورة هي التي يتفرع عليها دين الإسلام وشريعة الإسلام .
فالمعارف الثلاث الأولى هي شاملة لكُلِّ الإسلام في (معرفة العبد ربه، ونبيَّه، ومعرفة دين الإسلام)، هذه كلُّها شاملة لشرائع الإسلام، فإذا تَعَلَّمَ الإنسان هذه الثلاث عَمِلَ بها، فَحَقَّقَ هذا الدين في نفسه، فإذا حَقَّقَهُ في نفسه دعا إلى الدين، فَتَحَقَّقَ هذا الدين في غيره، ولأجل أن يتحقَّقَ هذا الدين في نفسه وفي غيره وجب عليه أن يصبر .
ولذلك يقول شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في مجموع الفتاوى لما ذكر مقولة الشافعي قال: "ورُوِيَ عن الشافعي -رضي الله عنه- أنَّه قال: لو فَكَّر الناسُ كُلُّهم في سورة والعصر لَكَفَتهُم ، وهو كما قال ، فإنَّ الله -جَلَّ وعلا- أخبر أنَّ جميع الناس خاسرون إلا مَنْ كان في نفسه مُؤمناً صالحاً ، ومع غيره مُوصِياً بالحقِّ ، ومُوصِياً بالصبر".

ثم ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- مقولة البخاري قال:
وَقَالَ البُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ -: "بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ". وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ.
[الشرح]
ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- مقولة هذا الإمام الـمُسَدَّد الـمُوَفَّق -رحمه الله تعالى- أمير المؤمنين في الحديث قال: "العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ": أي أن البخاري -رحمه الله تعالى- جعل بابا في كتابه الصحيح ؛ صحيح البخاري، جعل فيه باباً: (العلم قبل القول والعمل) ، سمَّى هذا الباب "العلم قبل القول والعمل" ، أو بعبارة أخرى : هذا بابٌ سوف نذكر فيه العلم قبل القول والعمل .
هنا فائدة: العلم إذا أطلق فإنه يُراد به العلوم الشرعية، ولا يُرادُ بذلك علومُ الدُّنيا، إنما يراد العلوم الشرعية لا علوم الدنيا .
قال: (العلمُ قبل القول والعمل)، قبل أن يقول الإنسان ، وقبل أن يعمل ، فعليه بالعلم.
قال:" وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .
لا اله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله، قال: ﴿فاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فبدأ رب العزة -عز وجل- بالعلم قبل أن يذكر العمل، وهو قد ذكر هنا الاستغفار قال: "فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ".
ولذلك نقول مَقُولَةً جَميلة تُروَى -فيما يحضرني الآن- أنها عن سفيان بن عيينة -عليه رحمة الله تعالى- كان يقول:" مَنْ فَسَدَ مِنْ علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود ، ومَنْ فَسَدَ من عُبَّادِنا ففيه شَبَهٌ مِنَ النصارى" .
الله -سبحانه وتعالى- قد امتدح نبيه وقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ، فنفى عنه الضلال، ونفى عنه الغواية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يَعمَلُ بِعِلم صلى الله عليه وسلم، وكان أكمل الناس عِلماً بالله -عز وجل- .
والسبب في إيراد أثر ابن عيينة في قوله: "مَنْ فَسَدَ من عُلمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود ، ومَنْ فَسَدَ من عُبَّادِنا ففيه شَبَهٌ مِنَ النصارى" ؛ ذلك أنَّ اليهود كانوا يعلمون ولا يعملون، وأنَّ النصارى فكانوا يعملون ولا يعلمون .
ولذا أنا أذكر فائدة مهمة لطالب العلم -لكُلِّ مَنْ سَلَكَ طريق العلم- فإنَّ كثيراً مِن طُلاَّب العلم يَقرأُ في كثيرٍ من السُّوَر ؛ كسورة البقرة ، وسورة المائدة ، وبعض السُّوَر الطوال، فَيَمُرُّ على آيات فيها ذكر قصص اليهود، فالواجب على طالب العلم أن يَقِفَ وَقَفاتٍ كثيرة، وخصوصاً مع الآيات التي وَرَدَت في ذِكرِ اليهود .
فإنَّ اليهود قد كانوا مِمَّن يعلمون ولا يعملون، وقد ذَمَّهم الله -تبارك وتعالى- على ذلك في مَواطِنَ من كتابه .
فالذي ينبغي على طالب العلم أن يقف مع هذه الآيات التي فيها ذكر اليهود وقفات مع نفسه، وكذا عليه أن يَقِفَ مع الآيات التي فيها ذكر النصارى، وذلك أنَّ النصارى كانوا يعملون ولا يعلمون .
والله -سبحانه وتعالى- قد قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ . فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضالُّون هم النصارى .

شرح الأصول الثلاثة
لفضيلة الشيخ
حـامد بن خميس بن ربيع الجنيـبي
__________________
قال الإمام اللالكائي رحمه الله : ( فهذا دين أُخذ أوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة ، لم يشبه لبس و لا شبهة ، ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل و لا ميل ، ثم الكافة عن الكافة ، و الصافة عن الصافة ، و الجماعة عن الجماعة ، أخذ كف بكف ، و تمسك خلف بسلف ، كالحروف يتلو بعضها بعضاً ، و يتسق اخراها على أولاها ، رصفاً ونظماً )
رد مع اقتباس